فهذا قد يجوز على كثير ممن يدعي الإسلام، وهم المنافقون الذين أمرهم بالكتاب والسنة معلوم، الذين قيل فيهم: (يوم يقول المنافقون ... ) إلى قوله: ( ... فتنتم أنفسكم) الآية، فمن لم يصل ولم ير أن يصلي قط ومات على ذلك من غير توبة، فهذا تارك الصلاة مندرج في عموم الأحاديث وإن لم يظهر في الدنيا حكم كفره.
ومن قال من أصحابنا: لا يحكم بكفره إلا بعد الدعاء والامتناع فينبغي أن يحمل قوله على الكفر الظاهر.
فأما كفر المنافقين فلا يشترط له ذلك، فإن أحمد وسائر أصحابنا لم
يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط"ا. هـ"
وهذا الكلام من شيخ الإسلام واضح في بيان مراده، وصريح في أن شيخ الإسلام يرى أن الامتناع ليس بشرط في الكفر، وإنما هو علامة على حصول الترك من الممتنع، وعلى تحقق الترك، فالكفر إنما هو بالترك، ولهذا كان التارك عنده كافرا في الباطن (5) وإن لم يدع إلى الصلاة ولم يمتنع، فتكون النتيجة على هذا:
أن الامتناع شرط في التكفير وفي إلحاق أحكام الكفر بصاحبه، وليس بشرط في كفر التارك في حقيقة الأمر.
وقد صرح شيخ الإسلام في موطن آخر بسبب كفر الممتنع وأنه الترك وسيأتي.
ب-نوعه من جهة حقيقة الإيمان
قد بين شيخ الإسلام في عدة نقول نوع كفر الممتنع من هذه الجهة، فقال كما في شرح العمدة (2/ 91) :
"قال أصحابنا يحكم بكفره في الوقت الذي يباح فيه دمه وهو ما إذا دعي فامتنع ... إلا أنه لا يسقط عنه شيء من الصلوات (6) وإن أسقطناها عن المرتد، لأنه كفر بتركها، فلو سقطت عنه لزال سبب الكفر، وإذا صلى بعد الامتناع عاد بذلك إلى الإسلام من الردة وصحت صلاته ... لأن هذا كفره"
بترك الفعل فإذا فعله عاد إلي الإسلام كما أن من كفره بترك الإقرار، إذا أتى بالإقرار عاد إلي الإسلام"."
فقوله:"كفر بتركها"وتعبيره عن الترك بـ"سبب الكفر".
وقوله أيضا:"هذا كفره بترك الفعل"وسياق الكلام، وكل هذا عن الممتنع مما يدل على أن شيخ الإسلام يرى أن نوع الكفر إنما هو من جهة الانقياد، فترك الانقياد هو الذي أودى بالممتنع في هوة الكفر السحيقة، فبابه الانقياد لا الاعتقاد.
وسبق أيضا قوله:
"وإذا دعي إليها فامتنع أن يصليها ... حكم بكفره على الترك"
وقال أيضا عنه:
"فإذا دعي فامتنع من غير عذر في الوقت تحقق على الترك"
وقال عنه:
"لأن الموجب الترك عن إصرار".
أي موجب القتل، ولاشك أن موجب القتل في هذه الصورة هو موجب الكفر عند الشيخ، كما دل عليه كلامه السابق (2/ 91) من شرح العمدة.
فترك الانقياد الظاهر هو سبب الكفر في حالة الامتناع عند شيخ الإسلام، وهذا يبين لك نوع الكفر فيه.
ويتلخص أخي الكريم من كل ما تقدم في هذه الصورة مايلى:
1 -أن الامتناع علامة على حصول الترك من صاحبه
2 -أنه يدل على أن الترك كان لغير عذر مع انعدام نية القضاء
3 -أن دم التارك للصلاة لا يحل قبل الامتناع
4 -أن حكم الامتناع يثبت بالامتناع من صلاة واحدة
5 -أن الامتناع شرط في التكفير لا في الكفر
6 -أن كفر الممتنع وحل دمه يثبتان معا وقت الامتناع
7 -أن كفره كفر الظاهر لاكفر الباطن
8 -أن نوع الكفر من جهة ترك الفعل الذي هو ترك الانقياد لا الاعتقاد
9 -أن التهديد بالقتل أو الشروع فيه لم يأت في أي عبارة من عبارات الشيخ الواردة في هذه الصورة
10 -أن القتل مرحلة تتلو هذه الصورة فليس هو بقيد فيها ولا بخطوة من خطواتها
11 -أن هذه الصورة تثبت لها الأحكام المترتبة عليها عندما تجتمع فيها الأمور التالية:
أولا: أن يؤتى بالتارك فيكون حاضرا
ثانيا: أن يخاطبه من هو أعلى منه فيأمره بفعل الصلاة، فيقول له (صل) أو (لابد أن تصلي) أو نحوها
ثالثا: أن يقابل هذا التارك الأمر بالرفض، فيستمر على الترك والكف عن الصلاة كأن يقول (لا أصلي) أو (لن أصلي) أو نحو هذا من أساليب الرفض والله أعلم
و- المصر على الترك حال تهديده بالقتل أو عرضه على السيف:
لقد قرر شيخ الإسلام في مواضع عدة من كتبه أن من كان تاركا للصلاة فجيء به وأمر بها فلم يصل، ثم هدد بالقتل فلم يصل، أو شرع في قتله فأصر حتى قتل، فهو كافر بالله العظيم، بل وصفه الشيخ بأشد أوصاف الكفر وكلا الحالتين تثبت فيهما أشد أوصاف الكفر.
الأولى:أن يهدد بالقتل فيستمر على تركه.
الثانية: أن يشرع في قتله فيصر على الترك حتى يموت.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)