وهذا استدلال عقلي صحيح ، الغايات المحمودة في مفعولاته أي مخلوقاته ، وفي مأموراته أي الشرع ، فالخلق له حكمة وغاية عظيمة فمنافع الشمس معروفه ، ومنافع الليل والنهار معروفه ، ومنافع المياه والأمطار معروفه ، وهكذا ... هذه الغايات مقبولة في المفعولات والمأمورات مثل الشرع ، مثل وجوب الصلاة ، وجوب الصيام ، وجوب الحج كل له غايات معروفه ومشهودة ، هذه الغايات في المفعولات والمأمورات تدل على الحكمة ، يعني ما فعل هذا إلا لهذه الغاية المحمودة ، إذًا الغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته تدل على حكمة أنه لم يفعل شيء ولم يشرع شيء إلا لحكمة ، لأن السفيه يفعل الشيء أعتباطًا بدون أن ينظر إلى عواقبه وبدون أن ينظر إلى حاله لكن الحكيم لا يفعل ولا يأمر بشيء إلا لحكمة ، وكلنا يعرف الغايات الحميدة التي تنشأ من مأموراته ومن مفعولاته وهذا دليل عقلي على الحكمة وأنه سبحانه وتعالى له حكمة والرحمة والمحبة والغضب هذه الأربع صفات التي مثل بها المؤلف لا يقر بها الأشاعرة لأنهم يزعمون أن ( الفعل ) لا يدل عليها ونحن نقول بل العقل يدل عليها ، ووجه الدلالة من العقل على هذه ما اشار إليه المؤلف رحمه الله (: لقوى العلة الغائية ) معنى ذلك أي قوة دلالتها فإنه العلة الغائبة التي ينتهي إليها المفعول أو المأمور تأثيرها أبلغ من تأثير الإرادة والتخصيص .
( ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم: أعظم مما في القرآن من بيان ما فيهما من الدلالة على محض المشيئة )
فمثلا القرآن كله مملوء بلام التعليل ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) كذلك قوله ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) وكثير جدًا في القرآن أثبات العلة سواء باللام أو بأن أو بالفاء أو بالشرط أو غيرها مما يحصل به التعليل .