ازل اكتب هذه الاخبار واؤلّف هذا الكتاب دهرا طويلا واضيف كلّ خبر الى بلده وكلّ ما اسمع به من ثقات اهل الامصار الى ما تقدّمت عندى معرفته وعلمت انه لا يحيط المخلوق بالغاية ولا يبلغ البشر النهاية وليست شريعة لا بدّ من تمامها ولا دين لا يكمل الّا بالاحاطة به وقد يقول اهل العلم في علم اهل الدين الذى هو الفقه مختصر كتاب فلان الفقيه ويقول اهل الآداب في كتب الآداب مثل اللغة والنحو والمغازى والاخبار والسير مختصر كتاب كذا فجعلنا هذا الكتاب مختصرا لأخبار البلدان فان وقف احد من اخبار بلد مما ذكرنا على ما لم نضمّنه كتابنا هذا فلم نقصد ان يحيط بكلّ شىء وقد قال الحكيم ليس طلبى للعلم طمعا في بلوغ قاصيته * واستيلاء على نهايته ولكن معرفة ما لا يسع جهله ولا يحسن بالعاقل خلافه وقد ذكرت اسماء الامصار والاجناد والكور وما في كلّ مصر من المدن والاقاليم والطساسيج ومن يسكنه ويغلب عليه ويترأّس فيه من قبائل العرب واجناس العجم ومسافة ما بين البلد والبلد والمصر والمصر ومن فتحه من قادة جيوش الاسلام وتأريخ ذلك في سنته واوقاته ومبلغ خزاجه وسهله وجبله وبرّه وبحره وهواءه في شدّة حرّه وبرده ومياهه وشربه *
وانما ابتدأت بالعراق لانّها وسط الدنيا وسرّة الارض وذكرت بغداد لانّها وسط العراق والمدينة العظمى التى ليس لها نظير في مشارق الارض ومغاربها سعة وكبرا وعمارة وكثرة مياه وصحّة هواء ولانّه سكنها من اصناف الناس واهل الامصار والكور وانتقل اليها من جميع البلدان
القاصية والدانية واثّرها جميع اهل الآفاق على اوطانهم فليس من اهل بلد الّا ولهم فيها محلّة ومتجر ومتصرّف فاجتمع بها ما ليس في مدينة في الدنيا ثم يجرى في حافتيها النهران الاعظمان دجلة والفرات فيأتيها التجارات والمير برّا وبحرا بأيسر السعى حتى تكامل بها كلّ متجر يحمل من المشرق والمغرب من ارض الاسلام وغير ارض الاسلام فانّه يحمل اليها من الهند والسند والصين والتّبّت والترك والدّيلم والخزر والحبشة وسائر البلدان حتى يكون بها من تجارات البلدان اكثر مما في تلك البلدان التى خرجت التجارات منها ويكون مع ذلك اوجد وامكن حتى كانّما سيقت اليها خيرات الارض وجمعت فيها ذخائر الدنيا وتكاملت بها بركات العالم وهى مع هذا مدينة بنى هاشم ودار ملكهم ومحلّ سلطانهم لم يبتد بها احد قبلهم ولم يسكنها ملوك سواهم ولانّ سلفى كانوا القائمين بها وأحدهم تولّى امرها ولها الاسم المشهور والذكر الذائع ثم هى وسط الدنيا لانها على ما اجمع عليه قول الحسّاب وتضمّنته كتب الاوائل من الحكماء في الاقليم الرابع وهو الاقليم الاوسط الذى يعتدل فيه الهواء في جميع الازمان والفصول فيكون الحرّ بها شديدا في ايّام القيظ والبرد شديدا في ايّام الشتاء ويعتدل الفصلان الخريف والربيع في اوقاتهما ويكون دخول الخريف الى الشتاء غير متباين الهواء ودخول الربيع الى الصيف غير متباين الهواء وكذلك كلّ فصل ينتقل من هواء الى هواء ومن زمان الى زمان فلذلك اعتدل الهواء وطاب الثرى وعذب الماء وزكت الاشجار وطابت الثمار وأخصبت الزروع وكثرت الخيرات