الصفحة 4 من 143

القاصية والدانية واثّرها جميع اهل الآفاق على اوطانهم فليس من اهل بلد الّا ولهم فيها محلّة ومتجر ومتصرّف فاجتمع بها ما ليس في مدينة في الدنيا ثم يجرى في حافتيها النهران الاعظمان دجلة والفرات فيأتيها التجارات والمير برّا وبحرا بأيسر السعى حتى تكامل بها كلّ متجر يحمل من المشرق والمغرب من ارض الاسلام وغير ارض الاسلام فانّه يحمل اليها من الهند والسند والصين والتّبّت والترك والدّيلم والخزر والحبشة وسائر البلدان حتى يكون بها من تجارات البلدان اكثر مما في تلك البلدان التى خرجت التجارات منها ويكون مع ذلك اوجد وامكن حتى كانّما سيقت اليها خيرات الارض وجمعت فيها ذخائر الدنيا وتكاملت بها بركات العالم وهى مع هذا مدينة بنى هاشم ودار ملكهم ومحلّ سلطانهم لم يبتد بها احد قبلهم ولم يسكنها ملوك سواهم ولانّ سلفى كانوا القائمين بها وأحدهم تولّى امرها ولها الاسم المشهور والذكر الذائع ثم هى وسط الدنيا لانها على ما اجمع عليه قول الحسّاب وتضمّنته كتب الاوائل من الحكماء في الاقليم الرابع وهو الاقليم الاوسط الذى يعتدل فيه الهواء في جميع الازمان والفصول فيكون الحرّ بها شديدا في ايّام القيظ والبرد شديدا في ايّام الشتاء ويعتدل الفصلان الخريف والربيع في اوقاتهما ويكون دخول الخريف الى الشتاء غير متباين الهواء ودخول الربيع الى الصيف غير متباين الهواء وكذلك كلّ فصل ينتقل من هواء الى هواء ومن زمان الى زمان فلذلك اعتدل الهواء وطاب الثرى وعذب الماء وزكت الاشجار وطابت الثمار وأخصبت الزروع وكثرت الخيرات

* وقرب مستنبط معينها وباعتدال الهواء وطيب الثرى وعذوبة الماء حسنت اخلاق اهلها ونضرت وجوههم وانفتقت اذهانهم حتى فضلوا الناس في العلم والفهم والادب والنظر والتمييز والتجارات والصناعات والمكاسب والحذق بكلّ مناظرة وإحكام كلّ مهنة واتقان كلّ صناعة فليس عالم اعلم من عالمهم ولا اروى من راويتهم ولا اجدل من متكلّمهم ولا اعرب من نحويّهم ولا اصحّ من قارئهم ولا امهر من متطبّبهم ولا احذق من مغنّيهم ولا ألطف من صانعهم ولا اكتب من كاتبهم ولا ابين من منطيقهم ولا اعبد من عابدهم ولا اورع من زاهدهم ولا افقه من حاكمهم ولا اخطب من خطيبهم ولا اشعر من شاعرهم ولا افتك من ماجنهم * ولم تكن بغداد مدينة في الايّام المتقدّمة اعنى ايّام الاكاسرة والأعاجم وانّما كانت قرية من قرى طسّوج بادوريا وذلك ان مدينة الاكاسرة التى خاروها من مدن العراق المدائن وهى من بغداد على سبعة فراسخ وبها ايوان كسرى انوشروان ولم يكن ببغداد الّا دير على موضع مصبّ الصّراة الى دجلة الذى يقال له قرن الصراة وهو الدير الذى يسمّى الدير العتيق قائم بحاله الى هذا الوقت نزله الجاثليق رئيس النصارى النسطوريّة ولم تكن ايضا بغداد في ايّام العرب لمّا جاء الاسلام لانّ العرب اختطّت البصرة والكوفة فاختطّ الكوفة سعد بن ابى وقّاص الزّهرىّ في سنة سبع عشرة وهو عامل عمر بن الخطّاب واختطّ البصرة عتبة بن غزوان المازنىّ مازن قيس في سنة سبع عشرة وهو يومئذ عامل عمر بن الخطّاب واختطّت العرب في هاتين المدينتين خططهما الّا ان القوم جميعا قد انتقل وجوههم وجلّتهم ومياسير تجارهم الى بغداد ولم ينزل بنو اميّة العراق لانهم كانوا نزولا بالشأم وكان معوية بن ابى سفيان عامل الشأم لعمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت