فهرس الكتاب
والله سبحانه له ملك السموات والأرض، لا يشاركه في ذلك أحد وهو يحيي ويميت أي يهب الحياة المادية والحياة المعنوية الروحية لمن شاء من عباده، كما أنه يميت من يشاء من الأجسام والأرواح بمقتضى إرادته، ومن كانت هذه هي قدرته وإرادته فهو المستحق وحده للتشريع، وهو محلّل الحلال، ومحرّم الحرام، كل ذلك ليميز الخبيث من الطيب.
وقال تعالى: {وَقََالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللََّهِ وَقََالَتِ النَّصََارى ََ الْمَسِيحُ ابْنُ اللََّهِ ذََلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوََاهِهِمْ يُضََاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قََاتَلَهُمُ اللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَرُهْبََانَهُمْ أَرْبََابًا مِنْ دُونِ اللََّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمََا أُمِرُوا إِلََّا لِيَعْبُدُوا إِلََهًا وََاحِدًا لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ سُبْحََانَهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 3130] .
إن الحديث في هاتين الآيتين هو عن أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهو حديث عن تصوراتهم ومواقفهم من قضايا العقيدة والتشريع، وقد جاءت هذه الآيات لتبيّن ما حلّ بهاتين الديانتين السماويتين من تشويه وانحراف عن الأصل وعن المنهج الإلهي، وقد وردت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسّر هذه الآيات، وتوضّح حقيقة اتخاذ الأحبار أربابا من دون الله، وأنّ الأمر يتعلق بالحلال والحرام اللذين نازع فيهما العباد ربّ العباد.
«روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنّه لمّا بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرّ إلى الشام، وكان قد تنصّر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغّبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عديّ المدينة، وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدّث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عنق عديّ صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَرُهْبََانَهُمْ أَرْبََابًا مِنْ دُونِ اللََّهِ} قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى، إنهم حرّموا
عليهم الحلال، وأحلّوا لهم الحرام، فاتّبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عديّ ما تقول، أيضرّك أن يقال: الله اكبر، فهل تعلم شيئا أكبر من الله، ما يضرّك أن يقال: لا إله إلّا الله، فهل تعلم إلها غير الله، ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق» (1) .