فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 238

«روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنّه لمّا بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرّ إلى الشام، وكان قد تنصّر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغّبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عديّ المدينة، وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدّث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عنق عديّ صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَرُهْبََانَهُمْ أَرْبََابًا مِنْ دُونِ اللََّهِ} قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى، إنهم حرّموا

عليهم الحلال، وأحلّوا لهم الحرام، فاتّبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عديّ ما تقول، أيضرّك أن يقال: الله اكبر، فهل تعلم شيئا أكبر من الله، ما يضرّك أن يقال: لا إله إلّا الله، فهل تعلم إلها غير الله، ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق» [1] .

فهذا الحديث النبوي يبيّن بوضوح مقصود الله تعالى في قوله {اتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَرُهْبََانَهُمْ أَرْبََابًا مِنْ دُونِ} أي أنّ القضية تتعلّق بالتشريع وبالحلال والحرام، و «تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الله سبحانه نصّ قاطع على أنّ الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تخرج من الدين، وأنّها هي اتخاذ بعض الناس أربابا لبعض، الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه، ويعلن تحرير الإنسان في الأرض من العبودية لغير الله» [2] .

إنّ الآية الأولى تبيّن انحراف اليهود والنصارى في تصورهم عن الله، فقد لحقوا بأهل الشرك وإن اختلفت طرق الشرك فلا فرق بين من يعبد الصنم، ومن يعبد المسيح وغيره [3] وهم قد أشركوا بالله حقيقة في أقوالهم وأعمالهم، فأما شركهم في الأقوال فقول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وأمّا شركهم في الأفعال والأعمال فاتخاذهم الأحبار والرهبان مصادر للتشريع وللتحليل والتحريم والاتباع. لكن السؤال الذي قد يطرح هو: ما الذي عمله الرهبان والأحبار حتى تعدّوا على سلطة الله، لقد تحدث القرآن عن ذلك في مواطن كثيرة، «وبيّن أنهم تأوّلوا ابتداء كلمات الله، وأخرجوها عن مفهومها الذي لها إلى المفهوم الذي يرونه ومن هنا كان للأحبار والرهبان هذا

(1) محمد جمال الدين القاسمي تفسير القاسمي المسمّى محاسن التأويل ط 1مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه 1958ج 8ص 3125.

(2) سيد قطب معالم في الطريق ط 10دار الشروق: بيروت 1983ص 70.

(3) انظر أبو حيان الأندلسي تفسير النهر الماد من البحر المحيط تقديم وضبط بوران الضناودي وهديان الضناوي، ط 1دار الجنان 1987م ج 1ص 963.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت