فهرس الكتاب
السلطان المبسوط على أتباعهم، بحيث جعلوا إلى أيديهم أمر هؤلاء الأتباع فيما هو من صميم العقيدة، فيغفرون لمن شاءوا من المذنبين، ويحرمون من شاءوا من هذا الغفران، وقد أدى ذلك إلى أن أصبح الأحبار والرهبان آلهة يطلب رضاها، ويتقرب إليها بالقربات، حتى تنال منهم المغفرة والرضوان، وهذا وضع أشبه بالوضع الذي يقوم بين المؤمن وربّه ومن هنا قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَرُهْبََانَهُمْ أَرْبََابًا مِنْ دُونِ اللََّهِ} مصوّرا لهذه الحال القائمة بين عامة اليهود والنصارى وبين أحبارهم ورهبانهم، أدق تصوير وأتمه» [1] .
إنّ من القيم الدينية لهذه الآية أن اليهود والنصارى باتباعهم الأحبار والرهبان قد أخرجوا الناس من عبادة الله إلى عبادة البشر، وأعطوا حقّ التشريع والاتباع إلى عباد ضعفاء لا يملكون من خصائص الألوهية شيئا، ومن القيم أيضا التي تستفاد من الآية الكريمة أنّ اليهود والنصارى اتخذوا رؤساء الدين فيهم أربابا حين أعطوهم حقّ التشريع وأطاعوهم فيه، فقد ذكر الله سبحانه أنه «من كلّ فريق ما حذف مقابله من الآخر على طريقة الاحتباك أي اتّخذ اليهود أحبارهم وربّانيهم، والنصارى قسوسهم ورهبانهم أربابا غير الله وبدون إذنه بإعطائهم حقّ التشريع الديني لهم، وبغير ذلك مما هو حقّ الربّ تعالى» [2] .
ونخلص إلى القول بأن المراد من اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا ليس هو العبادة المحضة التي تجعل منهم آلهة وأصناما، بل المراد كما ذكر الفخر الرازي (606هـ) أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم [3] ، وهذا هو الذي يسمى حق التشريع، وهو بيان معادلة الحلال والحرام، وبمعنى آخر الحكم على الأشياء من حيث الحظر والإباحة وهو نفسه مصطلح الحاكمية الذي هو
(1) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 2ص 743.
(2) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 364.
(3) الفخر الرازي التفسير الكبير ج 16ص 37.