فهرس الكتاب
الاختلاف الذي لا بدّ أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور منهجين للحياة أحدهما يقوم على عبودية العباد لله وحده بلا شريك، والآخر يقوم على عبودية البشر للبشر، وللآلهة المدعاة، وللأرباب المتفرقة، ثم يقع بينهما التصادم في كل خطوة من خطوات الحياة، لأنّ كل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بدّ أن تكون مختلفة مع الأخرى، ومتصادمة معها تماما في مثل هذين المنهجين، وفي مثل هذين النظامين» [1] .
إنّ الآية الأولى بمثابة الإعلان العام «أذان من الله» لبراءة الله وبراءة رسوله، وبراءة المؤمنين بعد ذلك من المشركين، وقد جاء الإعلان ليحدد المواقف الحاسمة في قضية الولاء والبراء، وليطهّر جزيرة العرب من الشرك ويجعلها تحت راية الإسلام، أما الآية الثانية والثالثة فتتحدثان عن إقامة ولاء مع المشركين في حالة دخولهم في جماعة المسلمين، وامتثالهم لأوامر الله في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، أو البراء منهم في حالة نكث الأيمان والطعن في الدين، والإصرار على الكفر، «ونكث الأيمان هنا يقابل فيما قبله استقامتهم عليها والطعن في ديننا في الجملة التالية يقابل فيما قبله توبتهم من الكفر به بدخوله في جماعته» [2] .
هذه هي طريقة القرآن في التعامل مع المشركين في كلّ الأزمان، وهي طريقة تجعل الأشياء في موضعها الصحيح من حيث الانتماء إلى عقيدة التوحيد ومقتضياته من ولاء وبراء، أو التخلي عن ذلك والركون إلى الشرك والكفر، ثم لجعل الإيمان هو المسيطر والظاهر في الأرض، ودحض كل قوى الشر التي تعارض مبدأ الخضوع لسلطان الله على هذه الأرض، والمشركون في كل زمان هم أناس نصبوا شراك العداوة والقتال لله ولرسوله ولأي شيء له علاقة بالدين والعقيدة، ومن هنا جاء موقف القرآن واضحا ليعلن البراءة التامة من الشرك والمشركين وإعلان العداوة والقتال لأولياء الشيطان في كل زمان ومكان.
(1) في ظلال القرآن ج 3ص 1586.
(2) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 190.