فهرس الكتاب
وقد لخص ابن قيم الجوزية (751هـ) رحمه الله سياق الدعوة والجهاد في هذه السورة فقال: «أقام صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكفّ عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كلّه لله، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمّة، فأمر بأن يتمّ لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام
كلها: فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجّة واللسان، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم، وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب، وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجّة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم» [1] .
في ضوء هذا البيان نستطيع أن نصل إلى الطبيعة النهائية للعلاقات بين الإسلام والكفر أيا كان نوعه، ومن هذه الطبيعة يتحدد الولاء والبراء اللذان تتحدث عنهما الآيات، فلا ولاء بعد الآن للطاغوت والشرك، ويجب أن تكون البراءة تامة من كل أنواع الكفر والشرك لتبقى قاعدة التصوّر الإسلامي نظيفة مخلصة في توجهها إلى الله، يقول سيد قطب رحمه الله في حكمة البراء من الكفر والشرك: «قد تبيّن من الواقع العملي مرحلة بعد مرحلة، وتجربة بعد تجربة، أنّه لا يمكن التعايش بين منهجين للحياة بينهما هذا الاختلاف الجذري العميق البعيد الشامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والتصور، والخلق والسلوك، والتنظيم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والإنساني وهو
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد تحقيق شعيب الأرناءوط ط 1مؤسسة الرسالة بيروت 1399هـ ج 3ص 158، 160.