فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 238

وثانيهما: البراء من أهل الكتاب، قال تعالى: {وَأَذََانٌ مِنَ اللََّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النََّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللََّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللََّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3] .

وقال أيضا: {فَإِنْ تََابُوا وَأَقََامُوا الصَّلََاةَ وَآتَوُا الزَّكََاةَ فَإِخْوََانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيََاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمََانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقََاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لََا أَيْمََانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 1211] .

سورة التوبة هي آخر سور القرآن نزولا عند جمهور العلماء، وتسمى سورة «براءة» لما تضمنته من براءة الله ورسوله من المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وبما أنها آخر ما نزل من القرآن كان لا بدّ أن يكون لها الكلمة الأخيرة في تحديد العلاقات بأنواعها بين المجتمع المسلم في المدينة وغيره من المجتمعات الكافرة، وأن تكون هذه الكلمة قانونا لأي مجتمع مسلم، وفي أي زمان كان، لأنّ فيها المفاصلة التامة بين الإيمان والكفر، بين المسلمين وجميع أعدائهم في الأرض، وقد جاء فيها الحديث مفصلا عن قضية الولاء والبراء وبيان الحق في ذلك في بداية السورة الكريمة.

وقد لخص ابن قيم الجوزية (751هـ) رحمه الله سياق الدعوة والجهاد في هذه السورة فقال: «أقام صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكفّ عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كلّه لله، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمّة، فأمر بأن يتمّ لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام

كلها: فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجّة واللسان، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم، وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب، وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجّة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت