فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 238

أولا: تتحدث الآيات عن الولاء والبراء في مظهرين من مظاهرهما، وهما مظهر العبادة، ومظهر النصرة والعون وربط المصير بالمصير، أما مظهر العبادة فيظهر في اتباع الهوى، وحب أحد هذه الروابط الثمانية وهي الآباء والأبناء والإخوة والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن، وهذا الحبّ والاتباع يأتي في مرتبة لا تليق إلا بالله وحده، فهو المقصود وحده بالحب وأيضا رسوله والمؤمنون، فالولاء لهذه الروابط يعني الخروج من دائرة العبادة التي ينبغي أن يقصد بها وجه الله وحده. أما المظهر الثاني وهو النصرة والعون وربط المصير بالمصير فيظهر في الغاية من هذا الحبّ وهي أن بعض المسلمين كان يخشى

قتال أهليهم من المشركين رغبة منهم في إسلامهم، وكان بعضهم يبتغي العون والفائدة فيما عنده من مال أو مساكن أو تجارة، وهذا الولاء والحبّ قد يصل إلى مرتبة العبادة حين يتعلق الدين بالأهواء والشهوات.

ثانيا: غاية هذا الولاء والبراء التفريق بين الإيمان والكفر، «فقد فرّق الإيمان بالله بين المؤمنين والمشركين، وجعل ولاية المؤمن للمؤمنين عامة أيا كان لونهم وجنسهم، وأيا كانت درجة القرابة في النسب بينهم وبينه على حين قطع ولاءه لأهله، وأقرب المقربين إليه إذا لم يكونوا من المؤمنين بالله وبرسول الله» [1] .

ثالثا: الولاء لله، والبراء من الشرك أمران لهما أهميتهما في التصوير الإسلامي، لأنهما يجردان التوحيد، ويفردان الإله بالعبادة والاتباع، ومن أهم صور الولاء حب روابط القرابة ووشائج المال والمادة، وقد جمعت هذه الآيات أصنافا من العلاقات وذويها، ومن شأنها أن تألفها النفوس، وترغب في القرب منها وعدم مفارقتها، فإذا كان الثبات على الإيمان يجرّ إلى هجران بعضها كالآباء والإخوان الكافرين الذين يهجر بعضهم بعضا إذا اختلفوا في الدين، كالأبناء والأزواج والعشيرة الذين يألف المرء البقاء بينهم، فلعلّ ذلك يقعده عن الغزو، وكالأموال والتجارة التي تصدّ عن الغزو وعن الإنفاق في سبيل الله، وكذلك المساكن التي يألف المرء الإقامة فيها فيصده إلفها عن الغزو، فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين، وبين ما تجرّ إليه تلك العلائق وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربه» [2] .

رابعا: هذه الأنواع الثمانية من حب القرابة والزوجية والمنافع والمرافق التي عليها مدار معايش الناس قد كان من شأنها أن تجعل القتال مكروها فوق

(1) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 2ص 721.

(2) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 10ص 153152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت