فهرس الكتاب
مبدئهم ومنشئهم شغفهم بما زيّن لهم من حب الشهوات»، ثم يقول في الرد عليهم: «فلو لم يكن للإنسان غاية ينتهي إليها غير هذه الحياة الخسيسة المملوءة نصبا وهما وحزنا، ولا يكون بعدها حال مغبوطة لكان أخس البهائم أحسن حالا من الإنسان» [1] .
ومن الطوائف الإنسانية التي أنكرت الجزاء الأخروي لاعتمادها على دلائل العقل، ومعطيات المادة طائفة تدّعي تناسخ الأرواح، وهي من الطوائف التي لم تستسغ تأجيل الحساب والجزاء إلى حياة أخرى بعد هذه الحياة، فرأت أن الروح تنتقل من جسد إلى جسد، فتنال جزاءها فيه، فإن كانت الروح خيّرة حلت في جسد تجد فيه راحة ونعيما، وإن كانت آثمة حلّت في جسد تلقى فيه البلاء والمشقة، وهذه الطائفة القائلة بالتناسخ تنكر أن تكون هناك حياة أخرى يلقى فيها الإنسان جزاءه [2] ، ولكن نقول في الرد عليها بأنه لا بدّ من دار يجازى فيها المحسن والمسيء، فيطمئن المحسن إلى إحسانه، ويشقى المسيء بإساءته، وهذا هو منطق العدل الإلهي الذي يؤمن به العقل، وترتاح له النفس.
وشبه الفلاسفة الطبيعيين، وأهل التناسخ المنكرين تردّها الأدلة العقلية والنقلية التي تثبت اليوم الآخر، وتقرر الجزاء والحساب، «فالبعث في نظر القرآن أمر لا بدّ منه يسوّى فيه حساب المحسنين والمسيئين بعد هذه الدنيا، وقد فرض العقل الإنساني التناسخ فرضا، واعتسفه اعتسافا، وتقبّله وآمن به وليس بين يديه شاهد يشهد له، أو دليل يدلّ عليه، وما ذاك إلا أنّه رأى الحياة الدنيا لا تضع موازين العدل بين الناس، ولا تأخذ للمظلوم حقه من ظالمه» [3] .
(1) عبد الكريم الخطيب تفسير القرآني للقرآن ج 2ص 949.
(2) نفسه ج 2ص 955954.
(3) نفسه ج 2ص 956.