فهرس الكتاب
حياة أخرى، فمن الطبيعي أن ينقل إليها الإنسان بما حصّل في حياته الأولى، وما جمع من خير أو شر، وعمل من حسن أو قبيح، فانتقال الإنسان من هذه الدنيا لا يقطعه عما كان له فيها من عمل، بل إن عمله كله سيصحبه إلى عالمه الجديد كما ينتقل من بيت إلى بيت، ومن بلد إلى بلد نقلة إقامة واستقرار» [1] .
وإن العقل ليدرك أنّ الإنسان لا يمكن أن تتّسع دنياه لكل ما صنع وغرس، وأنه لا بدّ له من حياة وراء هذه الحياة يجني فيها ما غرس في حياته الدنيا، ومن هنا فقد جعلت الشريعة الإسلامية للناس أن يحيوا حياتين معا الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، وأن يعملوا لهما جميعا [2] .
فالبعث الأخروي، والجنة والنار في نظر القرآن أمر لا بدّ منه، بل إنه يعد الآخرة الحياة الحقيقة التي سيحياها الإنسان، قال تعالى: {وَمََا هََذِهِ الْحَيََاةُ الدُّنْيََا إِلََّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدََّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوََانُ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] ، قال الزمخشري (538هـ) في تفسير الآية: «أي ليس فيها حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها فكأنها في ذاتها حياة» [3] .
ونعود الآن بعد أن استعرضنا أهمية عقيدة البعث والجزاء في التصور الإسلامي، وبيّنا موقف المنكرين وأهل التناسخ من هذه العقيدة، وكيف ردّ القرآن الكريم عليهم في إثبات هذه العقيدة، نعود الآن إلى النظرة العامة للقرآن الكريم إلى هذا الموضوع وهجم المادة المعروضة فيه، وطريقة عرضها.
لقد ذكر في السابق أنّ القرآن الكريم يهتم اهتماما كبيرا بتقرير حقيقة البعث والجزاء، والجنّة والنار، وهدف إلى ترسيخ هذه العقيدة في القلوب،
(1) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 2ص 946945.
(2) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 2ص 949948.
(3) الكشاف ج 3ص 463.