فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 238

الجنّة نسيم، ومن ثم باتوا يعرفون هذا العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود» [1] .

وهذا الذي يشير إليه سيد قطب من أنّ طريقة التصوير من أبرز طرق العرض لمشاهد القيامة، فقد عرضت بهذه الطريقة حيّة منتزعة من عالم الأحياء، وإنها حاضرة اليوم تراها العين، وتحسّها النفس، والأمثلة على ذلك كثيرة في كتاب «مشاهد القيامة في القرآن» ، ونضيف إلى ذلك أن طريقة التصوير ليست هي الطريقة الوحيدة في عرض مشاهد الجزاء الأخروي بل هناك طريقة التقابل حين يعرض الشيء وما يقابله، فيعرض النعيم وما يقابله من عذاب، وتعرض مشاهد الجنة وما يقابلها من مشاهد النار، وتعرض النماذج البشرية المتقابلة، كل فريق له صفات ووجهة متوجه إليها، وهذه الطريقة حاسمة في أداء المعاني، وعرض الأغراض.

ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللََّهِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ} [آل عمران: 107106] ، ففي هذا المشهد نرى منظرا متقابلا، نرى وجوها مسودّة ووجوها مبيضّة، ولا بد أننا نعرف الآن لمن الوجوه المسودة ولمن الوجوه المبيضة، وهو مشهد حسي، ولكنّه منبعث عن تأثر نفسي ألقى ظلّه على الوجوه فابيضّت، وعلى تلك الوجوه فاسودّت [2] ، وطريقة المقابلة حاسمة في عرض الصورتين المختلفتين لأهل الجنّة وأهل النار، وفي ذلك تمييز واضح بين الفريقين، ويجازي الله كل فريق بما يستحق من جزاء أو عقاب.

(1) نفسه ص 38.

(2) سيد قطب مشاهد القيامة في القرآن ص 204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت