فهرس الكتاب
في الآيتين صورتان من صور التقابل بين النعيم والعذاب، والجنّة والنار، فالآية الأولى تعد المنافقين والكفار وعيدا سيئا هو النار، أما الآية الثانية فتعد المؤمنين وعدا حسنا هو الجنة، وما فيها من نعيم مقيم، بل إنّ الله تعالى أضاف لهم على غرار الجنّة رضوانه بما يسعد نفوسهم ويفرح قلوبهم.
ويستفاد من الآيتين أن الله سبحانه ولحكمة يراها هو أجّل العذاب للكفار والمنافقين ومن لفّ لفهم من الحياة الدنيا إلى الآخرة، وأجّل النعيم الكامل للمؤمنين كذلك من الحياة الدنيا إلى الآخرة، وفي ذلك كمال العدل والإنصاف، فالمنافقون والكفار استحقّوا عذاب الله بما صدر منهم من كفر بالله، ومحاربة لله ورسوله، وأمر بالمنكر ونهي عن المعروف، وتخلف عن الجهاد في سبيل الله، أما الطرف الآخر وهم المؤمنون فقد استحقوا نعيم الله بما وفقهم الله إلى إيمان به وبرسوله، وباتباعهم أوامر الله، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وقيامهم بمقتضيات التوحيد المحض في أتم صوره.
وطريقة المقابلة التي يختارها السياق القرآني هنا هي التي أبرزت هذه المعاني، وأقامت الأشياء على أساس من الضديّة للتمييز بين مصير الحق، ومصير الباطل في اليوم الآخر.
وقال تعالى: {لََكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جََاهَدُوا بِأَمْوََالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولََئِكَ لَهُمُ الْخَيْرََاتُ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللََّهُ لَهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا ذََلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجََاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرََابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللََّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 9088] .
تتحدث هذه الآيات عن صنفين متقابلين من الناس، ولكلّ صنف طبيعته وجزاؤه، أمّا الصنف الأول من الناس، فهو الرسول والذين آمنوا معه الذين نهضوا بتكاليف العقيدة، وادّعوا واجب الإيمان، وعملوا للعزّة التي لا تنال بالقعود بل بالجهاد والقتال، فهؤلاء وعدهم الله بأنّ لهم الخيرات، خيرات
الدنيا والآخرة، في الدنيا لهم العزة ولهم الكرامة ولهم المغنم ولهم الكلمة العالية وفي الآخرة لهم الجزاء الأوفى، ولهم رضوان الله الكريم {وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1) .