والآيات كما هو ملاحظ تعتمد على طريقة المقابلة في العرض، فقد قابلت بين نموذجين من النماذج البشرية: النموذج الأول هم أولئك الذين قعدوا عن تكاليف الإيمان والجهاد، واعتبروا أن عمارة المسجد الحرام وخدمة الحجيج هي من أفضل الأعمال عند الله، أما النموذج الثاني فهم المؤمنون المجاهدون الذين أخلصوا عبادتهم لله، فهذان النموذجان المتقابلان تقابل تضاد واختلاف من حيث العمل وإخلاصه، ومن حيث الجزاء والثواب اللذين ينتظرانهما، قال عنهما سبحانه {لََا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللََّهِ} فالمقابلة من هذا الجانب قد أفرزت جانب الحق وميّزته عن الباطل، وجعلت المفاضلة على أساس صحة العمل والإخلاص فيه لوجه الله وحده، وجعلت فضل الجهاد عند الله أفضل من القعود والتخلّف عنه حتى ولو كان لأمر فيه مصلحة كعمارة المساجد وسقاية الحجيج.
قال ابن تيمية رحمه الله (728هـ) : «الجهاد سنام العمل وقد انتظم سنام جميع الأحوال الشريفة، ففيه سنام المحبة وفيه سنام التوكل والصبر وفيه الهداية، وفيه حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الآخرة وفيه حقيقة الإخلاص، فإن الكلام فيمن جاهد لا في سبيل الرئاسة ولا في سبيل المال ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كلّه لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود» [1] .
وقال تعالى في سورة التوبة: {لََا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجََاهِدُوا بِأَمْوََالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللََّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمََا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتََابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرََادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلََكِنْ كَرِهَ اللََّهُ انْبِعََاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقََاعِدِينَ} [التوبة: 4644] .
سورة التوبة هي الفاضحة والكاشفة لجميع أنواع النفاق الظاهرة والباطنة، وهذه الآيات في سياق بيان الفرق بينهم وبين المؤمنين في أمر الجهاد.
(1) الفتاوى ج 28ص 442441.