والآيات كما هو ملاحظ تعقد مقابلة بين نموذجين من الناس: النموذج الأول هم المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد وقعدوا عنه، والنموذج الثاني هم المؤمنون الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وكانوا مثالا رائعا لأهل الحق والتقوى.
والآيات حين تختار طريقة المقابلة في العرض فذلك لتأدية المعاني والقيم الدينية والفكرية التي تتميّز بها الأشياء، فمن هذه القيم أن المؤمن الصادق يختلف اختلافا كبيرا عن المنافق الكافر حينما يتعلق الأمر بقضايا الجهاد، فمن صفات المؤمن أنه لا يستأذن في الخروج أو القعود كراهة أن يجاهد بل إذا أمره الرسول بشيء ابتدر إليه، وكان الاستئذان في ذلك الوقت علامة النفاق [1] أما المنافق فيفضل الاستئذان والقعود.
وهذه الآيات تقرّر القواعد التي يمتاز بها الفريقان، فريق المؤمنين وفريق المنافقين، فالقاعدة الأولى التي لا تخطئ هي أنّ المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويعتقدون بيوم الجزاء لا ينتظر أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد ولا يتلكئون في تلبية داعي النفرة في سبيل الله بالأموال والأرباح، بل يسارعون إليها خفافا وثقالا كما أمرهم الله، طاعة لأمره، ويقينا بلقائه وثقة بجزائه وابتغاء رضاه، وإنهم ليتطوعون تطوّعا فلا يحتاجون إلى من يستحثهم فضلا عن الإذن لهم [2]
والقاعدة الثانية التي لا تخطئ أيضا أن المنافقين هم المترددون في الخروج الملتمسون للأعذار لعل عائقا من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بواجب الجهاد وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسبب في ذلك راجع إلى عدم إيمانهم بالله وخلوّ قلوبهم من التقوى واليقين.
وقال عبد الكريم الخطيب في تفسيره: «الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا صادقا لا يطلبون الإذن لأنفسهم بالتخلف عن القتال، ذلك أنهم مع
(1) ينظر أبو حيان الأندلسي تفسير البحر المحيط ج 5ص 427.
(2) سيد قطب في ظلال القرآن ج 3ص 1662.