الأعذار القائمة معهم لا يجعلون من تلك الأعذار حاجزا يحجزهم عن أخذ حظّهم من الجهاد في سبيل الله، فإذا دعا الداعي إلى الجهاد كانوا في مقدمة المستجيبين له، حتى إذا نطقت حالهم عن أنّهم بهذه الأعذار التي معهم من مرض، أو صغر، أو شيخوخة أو نحو هذا لن يتمكنوا من الانتظام في صفوف المجاهدين رحمة بهم، وتخفيفا من مئونتهم على المسلمين كان ذلك مما يحزنهم، ويبعث الحسرة والأسى في نفوسهم أما الذين في قلوبهم مرض ونفاق، فإنهم لا يعجزهم العثور على العلل والمعاذير التي يقدمونها للنبيّ والمسلمين، لتكون مبررا لتخلّفهم عن الجهاد، فهؤلاء هم الذين يجيئون إلى النبي بأعذارهم الكاذبة ويستأذنونه في التخلف» [1] .
إنّ هذه القيم المستفادة من الآيات قد أداها السياق القرآني معتمدا على أسلوب المقابلة الذي أقام تضادا بين نموذجين من النماذج البشرية، كل ذلك لغايات نبيلة هي تمييز الطيّب من الخبيث، والتفريق بين الحق والباطل، وتفضيل الجهاد والمجاهدين، وذم القعود والقاعدين.
وقال تعالى: {وَإِذََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللََّهِ وَجََاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقََالُوا ذَرْنََا نَكُنْ مَعَ الْقََاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوََالِفِ وَطُبِعَ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لََا يَفْقَهُونَ (87) لََكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جََاهَدُوا بِأَمْوََالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولََئِكَ لَهُمُ الْخَيْرََاتُ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التوبة: 8886] .
في هذه الآيات مقابلة بين الجهاد والقعود عنه، وفيها «بيان بحالة المنافقين العامة في أمر الجهاد بالمال والنفس الذي هو أقوى آيات الإيمان بالله ورسوله وما جاء به، وما يقابله من حال المؤمنين الصادقين فيه، وما بين الحالين من التضاد في العمل والأثر في القلب اللذين هما مناط الجزاء» [2] .
(1) التفسير القرآني للقرآن ج 2ص 783782.
(2) محمد رشيد رضا تفسير المنار ج 10ص 581.