فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 238

قال أبو حيان في «البحر المحيط» : «لما ذكر أن أولئك المنافقين اختاروا الدعة وكرهوا الجهاد، وفرّوا من القتال، وذكر ما أثر ذلك فيهم من الطبع على قلوبهم، ذكر حال الرسول والمؤمنين في المثابرة على الجهاد ما لهم من الثواب» [1] .

وهذه الآيات كالتي سبقتها تميّز بين نموذجين من البشر: نموذج المنافقين، ونموذج المؤمنين، وتبين مواقفهم المتباينة تجاه الجهاد وتكاليفه، ولكن هذه الآيات تكشف عن وجه آخر من وجوه المنافقين وتفضح طائفة أخرى من طوائفهم وهم أصحاب الرئاسة والسيادة والقدرة فيهم، هؤلاء المنافقون {إِذََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللََّهِ وَجََاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ} أي إذا أنزل قرآن يحمل إلى المؤمنين أمرا من الله سبحانه وتعالى يذكّرهم بالإيمان بالله، ويدعوهم إلى الجهاد مع رسول الله {اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقََالُوا ذَرْنََا نَكُنْ مَعَ الْقََاعِدِينَ} أي بادر أصحاب الطول هؤلاء إلى التحلل من هذا الأمر بالاعتذار إلى رسول الله، واستئذانه في أن يعفيهم من إجابة هذه الدعوة، والجهاد في سبيل الله [2] .

قال سيد قطب: «إنهما طبيعتان، طبيعة النفاق والضعف والاستخذاء، وطبيعة الإيمان والقوة والبلاء، وإنهما خطتان: خطة الالتواء والتخلف والرضى بالدون، وخطة الاستقامة والبذل والكرامة» [3] .

فإذا كان المنافقون وأصحاب الطول فيهم قد نكصوا على أعقابهم ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف والقاعدين فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، فهذان طرازان مختلفان تمام الاختلاف وهما متقابلان

(1) تفسير البحر المحيط ج 5ص 480.

(2) عبد الكريم التفسير القرآني للقرآن ج 2ص 861.

(3) في ظلال القرآن ج 3ص 1684.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت