فهرس الكتاب
و «جملة القول فإن العلم هو محاولة لاكتشاف العالم المحسوس، ومعرفة العلاقات المتداخلة والمنسقة للحقائق، ذلك أنّ الحقائق المنعزلة لا تقيم علما، ومن ثمّ فلا بدّ من اكتشاف الصلة بينها وبين بعضها البعض» [1] .
فالعلم أصبح في العصر الحاضر جزءا من ثقافة الأمة، وأصبح معلما من معالم المدنية والتحضر، وفي مقابل ذلك أصبح الجهل دليلا على التخلّف، وغدا منافيا لقيم الحضارة والتقدم، وأصبحت الأمم تعطي أهمية بالغة للعلم من حيث طلبه وتوفير وسائله والإنفاق عليه، وسعت في مقابل ذلك إلى محاربة الفقر بكل الوسائل الممكنة لاقتناعها بالدور الذي أصبح يؤديه «العلم» في بناء المجتمعات بناء قويا متينا.
وقبل الحديث عن ثنائية «العلم» و «الجهل» في القرآن الكريم لا بدّ من الإشارة إلى قضية هامة أثارت جدلا عند بعض الدارسين والمفكرين قديما وحديثا وهي علاقة العلم بالدين، وهل تتنافى حقيقة قيم العلم مع قيم الدين؟
وما هي الصورة الحقيقة لهذه القضية في الشريعة الإسلامية؟
وشبهة القائلين بتنافر العلاقة بين العلم والدين تستند إلى أنّ الأفكار المتطورة الحديثة تؤكد أنّ «الحقيقة» ليست إلّا ما يمكن فحصه وتجربته علميا، وقد قام «الدين» على «حقيقة» لا سبيل إلى مشاهدتها وفحصها علميا، وبعبارة أخرى: إن التفسير الديني للأحداث والوقائع لا يمكن إثباته بالوسائل العلمية، فهو باطل لا حقيقة له، ويترتب على هذا القول «أن الدين تفسير زائف لوقائع حقيقية» [2] .
والردّ على هذا الزعم يرتكز على أنّ «قضية الخلاف المزعوم بين العلم والدين هي من أهمّ القضايا الوافدة إلى البلاد الإسلامية، وهي قضية لم يعرفها
(1) نفسه ص 16.
(2) العلم والإيمان في الإسلام مجموعة من الباحثين ط وزارة الشئون الثقافية: تونس، 1975م ص 93.