فهرس الكتاب
«فالقرآن الكريم جعل أساس الإيمان بالدين هو الفكر، وأساس العلم كذلك هو الفكر، ولذلك اعتمد عليه القرآن في توصيل حقائقه إلى النفوس فقال تعالى: {إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (2) [يوسف: 2] . فمن يهدر العقل، ولا يعترف به في مجال الدين فقد أهدر أعظم أدوات القرآن في التوجيه للإيمان، وسلك به مسلك الأديان الأخرى التي لا تعتمد إلّا على الوجدان والمشاعر، وعدم وضوح الرؤية العقلية للحقيقة الدينية الأولى» [1] .
ومن الأدلة كذلك على عدم التفريق بين العلم والدين في الإسلام «أنّ القرآن يحتفي بالمادة في بيان سنن الله فيها وأسرارها، ويحثّ على اكتشاف أبعادها ومخبّآتها، ويرى العقل أنّ المادة ليست شيئا تافها أو حقيرا، أو سجنا للروح، أو مناقضة لها وطبيعي أن يكون الاحتفاء ممثلا في العلم التام، وبجزئياتها وسننها وقوانينها. وما دامت هي من عرش ربنا ومن معالم الطريق إلى معرفته، إذن يكون العلم بها جزءا لأنّه مفتاح رؤية الطريق إلى معرفة الله عزّ وجل معرفة علمية» [2] .
ويعد بيان أنّه لا تناقض بين «العلم» والدين في نظر القرآن الكريم، يأتي الحديث عن الموضوع الهام الذي نريد التركيز عليه في هذه الدراسة، وهو «العلم» ومفهومه في المنهج القرآني، ثم نقف بعد ذلك عند الأهمية الخاصة التي يوليها القرآن لموضوع «العلم» ، وكيف قابل بينه وبين «الجهل» .
العلم في المفهوم القرآني يشمل ثلاثة أنواع:
الأول: وهو العلم المكتسب وهو من أعظم المميّزات التي وهبها الله للإنسان، وهو مبني على مسلمات البداهة، والفطرة التي فطر الله الناس عليها،
(1) العلم والإيمان في الإسلام مجموعة من الباحثين ط وزارة الشئون الثقافية: تونس، 1975م ص 86.
(2) نفسة ص 87.