فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 238

«ولا يخفى أنّ النوع الأول من المفاهيم القرآنية للعلم، وهو الحكم العقلي هو في الواقع وراء كل علم مستنبط من المشاهدة والتجارب الحسيّة، لأنه هو الذي يستخدمه الفكر لإدراك الحقائق الحسية، والنسب والعلاقات بين الأشياء، والتمييز بينها، وتصنيفها، واستخراج قوانينها وأسرارها، لأنّ الحقائق والقوانين الطبيعية لا تنطق بذاتها، ولا تخرج إلى عالم الألفاظ وحدها، وإنما يستخرجها الفكر الإنساني ويصحبها، ليبرزها ويظهرها في علم الصيغ والألفاظ، ويقننها ويسجلها في سجل العلوم والحقائق الثابتة في ميراث الإنسانية كلّها» [1] .

والعلم المقصود في قوله تعالى: {إِنَّمََا يَخْشَى اللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ الْعُلَمََاءُ}

[فاطر: 28] ، هو العلم الذي لا يحصّل إلّا بالبحث الجاد، والنظر المتأمل، والعقل الدارس المفكر في خلق السموات والأرض، وما في السماوات والأرض، فمعرفة الله أولا ثم الخشية منه ثانيا [2] .

والنوع الثالث من العلم في المفاهيم القرآنية «هو العلم عن طريق الوحي الإلهي للأنبياء، وهو بمعنى آخر علم الشرع، ولا يأتي عن طريق معاناة الحواس أو العقل في إدراكهما الحقائق الحسية أو العقلية، كما هو الشأن في النوعين السابقين الأول والثاني من العلم، إنّما يأتي كما قلنا عن طريق الوحي الإلهي إلى الروح الإنساني الممثل في الأنبياء والمرسلين.

فهو فيض من علم الله سبحانه ونوره الكاشف، ينزّله على قلب النبيّ بحقائق بعضها من الغيب المحجب من العقول، كأخبار البعث والقيامة والحشر والحساب والجنّة والنار والملأ الأعلى، وبعضها من عالم التجارب والوقائع والشرائع والنظم في هذه الحياة الدنيا كأخبار الأمم السالفة، وكأنباء المستقبل، وكالأحكام الصحيحة في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والشريعة، وكل أولئك

(1) العلم والإيمان في الإسلام مجموعة من المؤلفين ص 88.

(2) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 4ص 881.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت