فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 238

لقد حارب القرآن الكريم الجمود العلمي، وحثّ على النظر والاستدلال، وطلب الحقيقة الصادقة بأدلتها المقنعة للعقول، قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] ، كما حارب القرآن الجمود العقلي، وهو آفة من الآفات التي تتسرب إلى النفوس فتجعلها تقف أمام الحقائق موقفا معاندا ومكابرا ورافضا لكل أنواع الحجج والبراهين، قال تعالى: {أَوَلَوْ كََانَ آبََاؤُهُمْ لََا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلََا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .

إن الحديث عن أهمية العلم في القرآن الكريم يقودنا إلى تقرير هذه الحقيقة، وهي أنّه لا يوجد دين من الأديان، ولا مذهب من المذاهب اهتم بالعلم وحضّ عليه، وبالغ في رفع منزلته، وجعله سبب الفلاح في الآخرة، والنجاح في الدنيا كاهتمام القرآن به، وقد فاضل القرآن بين العلم والجهل فقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لََا يَعْلَمُونَ إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبََابِ} [الزمر: 9] ، «والمقصود من الآية إثبات عدم المساواة بين الفريقين، وعدم المساواة يكنّى به عن التفضيل، والمراد تفضيل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون أي لا يستوي الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هي عليه، وتجري أعمالهم على حسب علمهم، أما الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هي عليه بل تختلط عليهم الحقائق، وتجري أعمالهم على غير انتظام، كحال الذين توهموا الحجارة آلهة، ووضعوا الكفر موضع الشكر» [1] .

وعن هذه المقابلة بين «العلم» و «الجهل» استفاد محمد الطاهر بن عاشور القيم المعنوية التالية:

أولا: الاهتداء إلى الشيء المقصود نواله بالعمل به، وهو مقام العمل، فالعالم بالشيء يهتدي إلى طرقه فيبلغ المقصود بيسر وفي قرب، ويعلم ما هو من العمل أولى بالإقبال عنه، وغير العالم به يضل مسالكه، ويضيع زمانه في

(1) محمد الطاهر بن عاشور تفسير التحرير والتنوير ج 23ص 349، 350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت