فهرس الكتاب
طلبه، فإما أن يخيب في سعيه، وإمّا أن يناله بعد أن تتقاذفه الأرزاء وتنتابه النوائب، وتختلط عليه الحقائق، فربّما يتوهم أنّه بلغ المقصود حتى إذا انتبه وجد نفسه في غير مراده، ومثله قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمََالُهُمْ كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مََاءً حَتََّى إِذََا جََاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39] ، ومن أجل هذا شاع تشبيه العلم بالنور، والجهل بالظلمة.
ثانيا: هو مقام السلامة من نوائب الخطأ ومزلات المذلات، فالعلم يعصمه علمه من ذلك، والجاهل يريد السلامة فيقع في التهلكة. فإن الخطأ قد يوقع في الهلاك من حيث طلب الفوز، ومثله قوله تعالى: {فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ} [البقرة:
16]، إذ مثّلهم بالتاجر خرج يطلب فوائد الربح من تجارته فآب بالخسران، ولذلك يشبه سعي الجاهل بخبط العشواء، ولذلك لم يزل أهل النصح يسهلون لطلبة العلم الوسائل التي تقيهم الوقوع فيما لا طائل تحته من أعمالهم.
ثالثا: مقام أنس الانكشاف فالعالم تتميّز عنده المنافع والمضار وتنكشف له الحقائق فيكون مأنوسا بها واثقا بصحة إدراكه، وكلّما انكشفت له حقيقة كان كمن لقي أنيسا بخلاف غير العالم بالأشياء فإنّه في حيرة من أمره حين تختلط عليه المتشابهات فلا يدري ماذا يأخذ وماذا يدع، فإن اجتهد لنفسه خشي الزلل، وإن قلّد خشي زلل مقلّده، وهذا المعنى يدخل تحت قوله تعالى:
{كُلَّمََا أَضََاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذََا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قََامُوا} [البقرة: 20] .
رابعا: مقام الغنى عن النّاس بمقدار العلم والمعلومات، فكلّما ازداد علم العالم قوي غناه عن النّاس في دينه ودنياه.
خامسا: الالتذاذ بالمعرفة، وقد حصر فخر الدين الرازي اللذة في المعارف وهي لذة لا تقطعها الكثرة.
سادسا: صدور الآثار النافعة في مدى العمر مما يكسب ثناء النّاس في العاجل، وثواب الله في الآجل، فإن العالم مصدر الإرشاد، والعلم دليل على الخير وقائد إليه، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لََا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .