فهرس الكتاب
فهذه المقابلة التي يعقدها القرآن الكريم بين «العلم» و «الجهل» لها قيمة فكرية كبيرة هي بيان مكانة العلم في حياة النّاس، وأهميته في بناء العقائد وتكوين المجتمعات.
وسنزيد هذا الموضوع وضوحا لبيان منهج القرآن الكريم في تناول قضية «العلم» ونتعرض لبعض القيم الفكرية والدينية المستفادة من الآيات القرآنية، فمن ذلك ما يلاحظ في القرآن من مفاضلة بين المؤمنين بالعلم والجهاد، وجعلهما معا سياجا لحماية المجتمع [1] ، قال تعالى: {وَمََا كََانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلََا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طََائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذََا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] ، وسنتحدث عن قيم هذه الآية فيما بعد.
ويلاحظ كذلك أنّ القرآن يعطي مكانة خاصة للعلماء قال تعالى: {يَرْفَعِ اللََّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجََاتٍ} [المجادلة: 11] ، فهذا الربط بين العلم والإيمان، وهذه المنزلة العظيمة للعلم يرجعان إلى طبيعة «العلم» «الذي شأنه في هذا شأن الإيمان في رفع إنسانية الإنسان، وإعلاء منزلته، فالإيمان هو في حقيقته علم، والعلم في حقيقته إيمان، وإن إيمانا لا يقوم على علم هو إيمان هزيل باهت لا يؤثر أثرا، ولا يطلع زهرا ولا ثمرا، وإنّ علما لا يفتح للعقل والقلب طريقا إلى الإيمان، ولا تنقدح منه شرارت مضيئة، تضيء للإنسان طريقه إلى الله هو نار تحرق، أو دخان يعمي، ويزكم الأنوف، ويخنق الصدور، وقد جمعت الآية الكريمة بين الإيمان والعلم، وجعلت كلّا منهما صفة لموصوف وذلك أنّ من النّاس من يبدأ الطريق بالعلم ثم يقوده هذا العلم إلى الإيمان، ومنهم من يبدأ الطريق بالإيمان ثم يقوده الإيمان إلى العلم» [2] .
(1) عبد المجيد صبح العلم والإيمان ص 25.
(2) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ج 5ص 833.