ولا يختلف اثنان على أن الوجه البلاغي للإعجاز القرآني هو أهم ما شغل الدارسين قديما وحديثا، وهو الوجه الذي ذهب إليه أكثر علماء النظر، فرأى بعضهم أنه شامل للقرآن بكامله، ويتحقق في الجزء المتحدى به وهو أقصر سورة منه [1] .
وهذا الوجه البلاغي في إعجاز القرآن الكريم هو الذي جعل الأسلوب القرآني لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنفد أسراره مع تعاقب الأزمان يعرض الحقّ الذي لا يشوبه باطل، ويسوق الهداية التي ليس بعدها هداية، ولقد كان لأسلوبه سلطان على النفوس يشبه السحر [2] .
يقول الرافعي: «إن القرآن فيه من اللين والمطاوعة على التقليب، والمرونة في التأويل، بحيث لا يصادم الآراء المتقابلة التي تخرج بها طبائع العصور المختلفة، فهو يفسّر في كل عصر بنقص من المعنى، وزيادة فيه، واختلاف وتمحيص، وقد فهمه عرب الجاهلية الذين لم يكن لهم إلّا الفطرة، وفهمه كذلك من جاء بعدهم من الفلاسفة وأهل العلوم، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وأثبتت العلوم الحديثة كثيرا من حقائقه التي كانت مغيّبة وأكبر السبب في ذلك أن هذا القرآن ليس على طبع إنساني محدود بأحوال نفسية لا يجاوزها، فهو يداور المعاني، ويريغ الأساليب، ويخاطب الروح بمنطقها من ألوان الكلام لا من حروفه، وهو يتألف الناس بهذه الخصوصية فيه، حتى ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما يجب أن يفهموا، وحتى يقف بهم على نص اليقين ومقطع الحقّ» [3] .
(1) محمد بركات أبو علي في إعجاز القرآن ط 1مؤسسة الخافقين: الرياض، 1983م ص 24.
وينظر عبد الغني بركة أسلوب الدعوة القرآنية ط 1مكتبة وهبة: القاهرة، 1983م ص 53.
(2) بن عيسى عبد القادر با طاهر أساليب الإقناع في القرآن الكريم ص 15.
(3) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ط دار الكتاب العربي: بيروت ص 206، 208.