إن القرآن الكريم من خلال طريقة المقابلة بين هذا المتضادات يدعو إلى تحريك قوى النفس لدى الإنسان، وبخاصة قوة العقل كي تقيم موازنة بين الأشياء المختلفة، وتعلم حقيقة الشيء وما يناقضه ثم تخرج بحكم نهائي وفق منهج النظر السليم، والمفاضلة الدقيقة، لتسير عليه في حياتها على بصيرة ونور.
أما الإنسان الذي يعتمد على وجه واحد في تبني منهجه في الحياة دون معرفة تامة بالوجه الآخر الذي يقابله غالبا ما يقوده هذا إلى الخطأ والضلال، وقديما قال عمر بن الخطاب: «من لم يعرف الشر جدير بأن يقع فيه» [1] ، أي أن المعرفة بالشيء وما يقابله هي التي تعطي التصور الكامل عن الأشياء، وهي التي تجعل منهج الاختيار مبنيا على قواعد ثابتة ونظرات دقيقة. فمعرفة الحق وحده لا تكفي في أسس الاختيار والتبني دون معرفة الباطل في صورة المتعددة.
ويظهر بوضوح وجلاء من خلال هذه الآيات أن المقابلة بين الأشياء في صورتها المتضادة هي أسلوب من أساليب العرض القرآنية، وهي من الوسائل التي يلجأ إليها القرآن كثيرا في أداء المعاني، وإقامة الحجة على الناس، وتحريك قلوبهم وعقولهم لمعرفة الحق ومقتضياته وتمييزه عن الباطل وأشكاله.
ولا يتسع هذا المقام لعرض نماذج أخرى للدلالة على صدق ما نقول واكتفينا هنا بما عرضناه في فصول سابقة ضمن التطبيق العملي على سورة واحدة فقط هي سورة التوبة، وكانت نتائج الدراسة دليلا قاطعا على ما تبنّيناه في هذا البحث من أن المقابلة هي إحدى طرق العرض البارزة في المنهج القرآني.
(1) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني ج 3ص 875.