وأسلوب التصوير هو من الأساليب التي لها قدرة على تحريك الحس والشعور لدى الإنسان من خلال الجمال الفني الذي يضفيه على التعبير، وهو على غرار ذلك من عناصر الكمال في التعبير القرآني، وهو أحد أساليب الإقناع والإمتاع البارزة فيه وبخاصة حين يتعاضد مع طرق العرض الأخرى وأبرزها طريقة المقابلة، فنجده يحرص في مواضع كثيرة منه على عرض الصورة وما يناقضها فتكتمل بذلك عناصر التشويق والإثارة، ويؤدي التعبير أغراضه كاملة دون أي خلل أو نقص.
وعرض الصورة الفنية وما يقابلها أمر مقصود في التعبير القرآني لما فيه من قدرة على التأثير والإقناع، لأن عرض الصورة في اتجاه واحد، وفي غرض واحد، قد لا يكون له نفس الحظ من الكمال في التعبير مثلما تعرض الصورة ونقيضها في نفس السياق مما يتيح للقارئ والمتأمل فرصة الجمع بين الصورتين في سياق واحد، فيعرف جميع أجزاء الصورتين المتضادتين ويسهل عليه هذا عقد المفاضلة والمقارنة بينهما ليأتي الحكم والاختيار بعد المعرفة الكاملة بالصورة وما يقابلها.
وعرض الصور بطريقة التقابل أمر ملاحظ في القرآن الكريم وبخاصة في قضايا البعث والنشور، ومشاهد القيامة، وسوف نعرض بعض الصور القرآنية المتقابلة للدلالة على تكامل الأسلوبين وتجانسهما في خدمة التعبير القرآني الجميل.
قال تعالى في سورة التوبة: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيََانَهُ عَلى ََ تَقْوى ََ مِنَ اللََّهِ وَرِضْوََانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيََانَهُ عَلى ََ شَفََا جُرُفٍ هََارٍ فَانْهََارَ بِهِ فِي نََارِ جَهَنَّمَ وَاللََّهُ لََا يَهْدِي الْقَوْمَ الظََّالِمِينَ} [التوبة: 109] .
ففي هذه الآية الكريمة التي اختارت طريقة التصوير في عرضها لقضية الإيمان والنفاق يلاحظ أنها رسمت صورتين متقابلتين، الصورة الأولى للإيمان الذي يشبه البناء المتماسك في أساسه القائم على التقوى وعلى العلاقة مع
الله، والصورة الثانية مناقضة تماما للصورة الأولى لأننا نشاهد فيها بناء مهزوزا وآئلا للسقوط في أية لحظة لأنه يفتقد إلى أساس قوي يحميه من السقوط في نار جهنّم، «فلنقف نتطلع لحظة إلى بناء التقوى الراسي الراسخ المطمئن ثم لنتطلع بعد إلى الجانب الآخر لنشهد الحركة السريعة العنيفة في بناء الضرار، إنّه قائم على شفا جرف هار قائم على حافة جرف منهار، قائم على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار، إننا نبصره اللحظة يتأرجح ويتزحلق وينزلق، إنّه ينهار إنّه ينز لق إنّه يهوي! إنّ الهوة تلتهمه! يا للهول! إنها نار جهنّم» (1) .