ففي هذه الآية الكريمة التي اختارت طريقة التصوير في عرضها لقضية الإيمان والنفاق يلاحظ أنها رسمت صورتين متقابلتين، الصورة الأولى للإيمان الذي يشبه البناء المتماسك في أساسه القائم على التقوى وعلى العلاقة مع
الله، والصورة الثانية مناقضة تماما للصورة الأولى لأننا نشاهد فيها بناء مهزوزا وآئلا للسقوط في أية لحظة لأنه يفتقد إلى أساس قوي يحميه من السقوط في نار جهنّم، «فلنقف نتطلع لحظة إلى بناء التقوى الراسي الراسخ المطمئن ثم لنتطلع بعد إلى الجانب الآخر لنشهد الحركة السريعة العنيفة في بناء الضرار، إنّه قائم على شفا جرف هار قائم على حافة جرف منهار، قائم على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار، إننا نبصره اللحظة يتأرجح ويتزحلق وينزلق، إنّه ينهار إنّه ينز لق إنّه يهوي! إنّ الهوة تلتهمه! يا للهول! إنها نار جهنّم» [1] .
إن اجتماع الصورتين المتقابلتين في سياق واحد أعطى التعبير رونقا وجمالا، وأعطى المتلقي معرفة كاملة بحقائق الأشياء وصفاتها، مما ساهم في تحقيق غاية القرآن الكبرى في الفصل بين الإيمان والكفر والتمييز بينهما.
وقال تعالى: {هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ الْغََاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خََاشِعَةٌ (2) عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ (3) تَصْلى ََ نََارًا حََامِيَةً (4) تُسْقى ََ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعََامٌ إِلََّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لََا يُسْمِنُ وَلََا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهََا رََاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عََالِيَةٍ (10) لََا تَسْمَعُ فِيهََا لََاغِيَةً (11) فِيهََا عَيْنٌ جََارِيَةٌ (12) فِيهََا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوََابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمََارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرََابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} (16) [الغاشية: 161] .
فهذه الآيات تصور مشهدين من مشاهد القيامة، وهذان المشهدان متقابلان تقابل تضاد إذ المشهد الأول يصور العذاب الأخروي لأهل الشقاء، فترى هناك وجوها خاشعة ذليلة متعبة مرهقة، عملت ونصبت فلم تحمد العمل ولم ترض العاقبة، ولم تجد إلا الوبال والخسارة، فزادت مضضا وإرهاقا وتعبا، وهي تسقى من عين آنية حارة بالغة الحرارة وهي تتغذى بالطعام الذي لا تقوى الإبل على تذوقه، وهو شوك لا نفع فيه ولا غناء، أما المشهد الثاني فعلى النقيض تماما من المشهد الأول ففيه وجوه ناعمة يبدو عليها النعيم، ويفيض منها
(1) سيد قطب في ظلال القرآن ج 3ص 1711.