فهرس الكتاب
الحال بالنسبة للإنسان الذي قد يتصرف تصرفا خاطئا في غياب قوته العقلية كأن يضرب أو يقتل إنسانا ما، وفي مثل هذه الحالة تجد أن القوة العاملة هي العاطفة التي سجلت إحساسها بالغضب أو الألم في حين عطلت قوة العقل [1] .
وكذلك الحال في الإنسان المدخن تجده مقتنعا بعقله بضرر التدخين، ومع ذلك لا يستطيع تركه والإقلاع عنه لسيطرة قوى العاطفة عليه بتسجيلها الإحساس باللذة أو الشهوة، وهي لم تشبع الإشباع الكافي، ولهذا كانت عملية الإقناع ناقصة في جانب من جوانبها الهامة.
إن الغاية التي جاء من أجلها القرآن الكريم هي بيان وترسيخ الأسس الرئيسية التي يقوم عليها بناء العقيدة الصحيحة، وأقرب الطرق للوصول إلى هذه الغاية هي الوفاء بحاجات النفس الإنسانية، وإشباع قواها العقلية والوجدانية، ليكون الإقناع ثمرة منبعثة من العقل والعاطفة معا [2] .
وعن الإقناع القرآني والتلازم فيه بين العقل والعاطفة في خطاب النفس البشرية يقول محمد عبد الله دراز: «أما ما يبدو فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها ترى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل، وبنسب عكسية بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى، ففي القرآن لا ترى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها بين هاتين المتنافرتين» [3] .
فالطرق والمناهج التي اتبعها القرآن في العرض والاستدلال والتقرير هي التي كان لها الفضل في الوصول إلى غايته من التأثير والإقناع فإذا كان القرآن بعيدا عن أي عامل خارجي قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى ما فيه من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب
(1) بن عيسى عبد القدر با طاهر أساليب الإقناع في القرآن ص 5.
(2) محمد حسن آل ياسين في رحاب القرآن ط 1دار المعارف: بغداد، هـ ص 61.
(3) مدخل إلى القرآن الكريم ص 117.