الصفحة 119 من 733

كما أن من مقومات الداعية أن يتمتع بتأهيل علمي مناسب. والتأهيل العلمي للداعية له روافده، والتي أهمها ومعينها الذي لا ينضب هو القرآن الكريم. فيجب أن يكون على إلمام كامل بجميع موضوعات القرآن وعلى دراية بعلوم القرآن من أسباب النزول أو الناسخ والمنسوخ أو ... الخ. كما يأتي بعد ذلك مصادر السنة المطهرة. ثم التاريخ الإسلامي بخاصة، والتاريخ الإنساني بعامة. ثم يكون على إلمام بقواعد اللغة العربية التي سيتحدث بها إلى الناس.

ومن مقومات الداعية حسن المظهر، والتأسي في مظهره بمظهر النبي صلى الله عليه وسلم ما أمكن، من إطلاق للحيته وارتدائه لجلباب لا يصف العورة ولا يشف ما تحته وتطيبه وتقليم أظافر يده ورجليه وكل ما من شأنه أن يؤدي لحسن المظهر. كما يجب أن يتحلى بحسن الخلق، بحيث يكون قدوة في حد ذاته لاقتفاء أثره. وألا ينفر الناس بسلوك مشين، حتى لا يشار إليه أنه قدوة سيئة للإسلام.

ومن أهم مقومات الخطيب أن يكون حاذقا لفن الإلقاء. فهناك من هم علماء أجلاء تتسع مستوى علومهم لتشمل قدر كبير من المعارف إلا أنهم لا يجيدون فن توصيل هذه المعلومات إلى الناس.

كيفية الارتقاء بمستوى الخطباء:

نظرا لأن معظم الدعاة هم من الفئة محدودة الدخل، فإنهم ينشغلون للبحث عن أعمال أخرى بجانب عملهم الأصلي في الدعوة، الأمر الذي يؤثر على مدى تفرغهم للبحث والإطلاع وإعداد موضوعات متميزة للخطابة. كذلك فإن تدني المستوى المادي للداعية يحرمه من اقتناء المراجع والمحاضرات الهامة، والتي لا يُتصور للداعية أن يعد الخطبة بدونها. فمعظم المراجع أصبحت باهظة الثمن، ولا يتمكن الأشخاص العاديون من اقتنائها، كما لا تتوافر المكتبات العامة بكثرة في جميع الأحياء.

ولذا فإنني أدعو للعمل بمشروع"اكفل داعية"تماما مثل من ينادون بكفالة اليتامى. فهذا مشروع صدقة جارية يعود ثوابها الجزيل على الكفيل كما يعود نفعه الكبير على الأمة ككل. وليعلم كفيل الخطيب بأن كل كلمة يقولها هذا الخطيب هي في ميزان حسناته إن شاء الله يوم القيامة. وبهذا فإننا نُفرغ الخطباء للاهتمام بدراسة مشكلات مجتمعاتهم وبحث كيفية وضع الحلول النافعة لها.

كما أن بعض الدعاة لن يكون لديهم ملكة البحث والإطلاع واستخلاص العبر والنتائج من الأحداث التاريخية الماضية. وهؤلاء يمكن لهم الاستعانة بالخطب التي ألقاها كبار الدعاة والتي تم تجميعها في كتب ومجلدات، ففيها نفع كبير إن شاء الله.

ومن الأمور الهامة أيضا في هذا الصدد، تتلمذ الدعاة على أيدي العلماء الربانيين ومصاحبتهم والاقتباس من هديهم ونورهم. فإن تعذر ذلك، فقراءة سيرهم الذاتية ودراسة أمور حياتهم والإقتداء بمواقفهم تجاه الدعوة.

ويرتبط بذلك ارتباطا وثيقا إعطاء الدعاة المثل والقدوة لجميع المسلمين، وذلك بالالتزام بما يقولونه، بحيث يصبح لدعوتهم صدى في نفوس مستمعيها، فلا تكون مجرد شعارات جوفاء يؤديها من يقولها بهدف شغل وقت المحاضرة التي يلقيها وحسب. كنت استمع لأحد الخطباء وهو يلهب حماسة المستمعين بوجوب إتباع النبي صلى الله عليه وسلم والسير على نهجه في كل شيء، فلما رفعت بصري لأنظر إليه وجدته حليقا، فأحسست وكأنما سكبت دلوا من الماء البارد على كل ما كان يقوله!! وكذلك الحال تجاه الذي يدعو لأمر ما من أمور المعروف ولا يأتيه، أو ينهى عن منكر ويأتيه. فكم يكون جميلا أن يكون الداعية هو أول من يلتزم بما يقول، فلاشك أن ذلك سيكون له وقع كبير في نفوس مستمعيه.

وننادي أيضا بالعودة إلى المسجد الجامع لكل حي. فهذا من شأنه الاهتمام بالخطبة جيدا، حيث لن يلقيها إلا من كان متمكنا للغاية. كما سيؤدي هذا إلى تجمع أهالي الحي معا وتعارفهم فيما بينهم. كما أن هذا يؤدي لإظهار شعار الإسلام وعزته وكثره معتنقيه، بما يعطيه هذا الإحساس من البهجة في النفس.

ونظرا لانعدام الدروس الدينية، وقلة عدد من يحضرها إذا وجدت، واعتماد معظم الناس الآن في ثقافتهم الدينية على درس الجمعة الأسبوعي، فنريد لهذا الدرس أن يتناول الموضوعات الهامة التي تمس عقيدة المسلم ومعاملاته، والتي لا يسع أحد من المسلمين أن يجهلها، والتي هم للأسف الشديد يجهلونها الآن ولا يعرفونها.

نريد لخطبة الجمعة أن تعود لرونقها الذي فقدته، وأن تؤثر تأثيرا ايجابيا في أفراد الأمة كما كان عليه الحال فيما مضى. نريد ليوم الجمعة أن يكون عيدا لجميع أفراد الأسرة، الذين يحضرون جميعهم خطبة الجمعة، فتستفيد الأسرة، ويكون هذا الدرس معينا لهم طوال أيام الأسبوع، حتى اجتماعهم في الأسبوع التالي.

1 من جمادى الآخرة عام 1425 ( الموافق في تقويم النصارى 18 يوليو عام 2004 ) .

[1] القدوة: منهاج ونماذج، د/ سعيد قابل، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002. ص ص: 163-164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت