الصفحة 125 من 733

محمد بن عبد الله الدويش

ما أحوج الدعاة إلى التأمل في مجالات الدعوة ، ووسائل مخاطبة الجماهير ، والسعي إلى توسيع دائرة المخاطبة ، والتحدث للجميع وإسماع رسالتهم للكل . إن مراجعة الدعاة لوسائلهم الدعوية ، وأساليبهم مطلب ملحّ ، وواجب تمليه ضرورة الدعوة ذاتها .

وإن من الوسائل التي يمكن للدعاة أن يخاطبوا فيها الجميع ، ويبلغوا رسالتهم للناس كافة ، (خطبة الجمعة) فأي قدر حظي به هذا المنبر ، وهذه الوسيلة من الدراسة ، والعناية ، فضلًا عن التوظيف العملي لهذه الوسيلة .

وهذه محاولة لوضع إضاءات ، وإشارات حول هذا الموضوع الملحّ .

أولًا: أهمية خطبة الجمعة:

1-الأمر بالسعي لها ، فإن المسلم مأمور بالسعي لصلاة الجمعة حين يسمع النداء ، ويحرم عليه أن ينشغل ببيع أو نحوه . قال تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [ [الجمعة 9] . وهو في الوقت نفسه يحض على التبكير إليها كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ( مَثَلُ المهجر [1] كمثل الذي يهدي بدنه ، ثم كالذي يهدي بقرة ، ثم كالذي يهدي الكبش ، ثم كالذي يهدي الدجاجة ، ثم كالذي يهدي البيضة ) [2] . ويؤمر بالتهيؤ النفسي لها فيؤمر بالتطيب والاغتسال والسواك .

قال - صلى الله عليه وسلم -: ( من جاء منكم الجمعة فليغتسل ) [3] .

2-وحين يحضر المصلي للجمعة يلزمه الإنصات للخطيب ولا يجوز له الكلام ولو أن يقول لصاحبه صه .( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة:

أنصت فقد لغوت ) [4] . فهذا المصلي الذي أوجب عليه السعي للجمعة ، وحُث على التبكير لها ، والتغسل والتطيب ، وحُرّم عليه الكلام حال الخطبة ، من حقه أن يعتني بهذه الخطبة التي تقدم له .

3-خطبة الجمعة لها شأن عظيم عند الله -عز وجل- فهي ذكر لله كما سماها الله في كتابه ، وهي شعيرة من شعائر الدين ، تشهدها الملائكة ، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون من جاء من الناس على قدر منازلهم ، فرجل قدم جزورًا ، ورجل قدم بقرة ، ورجل قدم شاة ، ورجل قدم دجاجة ، ورجل قدم عصفورا ، ورجل قدم بيضة ، فإذا أذَّن المؤذن ، وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر ) [5] .

إن هذا الحديث يلقي ظلالًًا من الهيبة والجلال على هذه الخطبة ، وفي الوقت نفسه يعطي الخطيب شعورًا بأهمية الكلمة التي يقولها من على المنبر فعلاوة على كل ما فيها من قيمة دعوية ، فإن الملائكة الكرام يسمعونها ، فليت الذين يوظفون خطبهم لتحقيق مصالح فلان أو علان يفقهون هذا الحديث .

4-شهود المسلمين جميعهم لها . فالمسلمون على اختلاف طبقاتهم ، ومستوياتهم التعليمية ، يحضرون هذه الصلاة ويشهدونها . فيحضرها المثقف ، والجاهل وطالب العلم ، والمتعلم . ويحضرها الكبير والصغير ، ومن جانب آخر فحضورها ليس مقصورًا على الأخيار وحدهم ، فكثير ممن لا يشهد صلاة الجماعة يحضر الجمعة ، وهذا يتيح للخطيب أن يخاطب الجميع ، وأن يتحدث للكثير ممن لا يحضرون المحاضرات والندوات ، ودروس المساجد . إنها باختصار هي المجال الوحيد المتاح للدعاة والذي من خلاله يتحدثون مع الجميع .

5-تكررها كل أسبوع . ففي العام الواحد يستمع المصلي لـ (52) خطبة ، وحين يعتني بها الخطيب ويرتب موضوعاتها يقدم للمستمع مادة متكاملة . إنها تمثل دورة مكثفة مستمرة .

6-قيمتها المعنوية عند الناس وتأثيرها ، ففي بحث عن أثر خطبة الجمعة أجري في مصر أفاد 78% أنهم يتأثرون تأثرًا دائمًا بما يقوله الخطيب ، وذكر 71 % أنهم يلتزمون دائمًا بما يقوله الخطيب . واتفق مع أحد خطباء المساجد على أن يخطب عن الربا ، فأجرى استفتاء قبل الخطبة وبعدها ، كانت النتيجة:

أ- 85% كانوا يعرفون المفهوم الصحيح للربا . وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى 97% .

ب- 33% كانوا يعرفون عقوبة المرابي . وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى 59% .

ج- 71% كانوا يعلمون أن البنوك المصرية تتعامل بالربا . وبعدها ارتفعت النسبة إلى 94% .

د- 50% كان يفضل الاستثمار في البنوك الإسلامية . وبعد الخطبة ارتفعت النسبة إلى 64% .

هـ- نتيجة الخطبة: 34% سينصحون الآخرين بترك الربا . 31% سيقاومون أي عمل ربوي [6] .

إن هذه الدراسة وغيرها تعطي دلالة صادقة أن خطبة الجمعة لها تأثيرها على المصلين ، وذلك حين يجدون الخطيب المؤثر .

7-حضورها يزيد ولا ينقص . فالمصلون لا يخرج منهم أحد قبل انتهاء الخطبة ، إنما يتوافدون ، بخلاف المحاضرة والدرس ، فقد يخرج بعضهم قبل اكتمال الموضوع . ومع اقبال الناس على الخير في هذه الفترة ، يتوافد الكثير من المسلمين إلى الجمعة ممن كانوا لا يعرفونها قبل ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت