الصفحة 173 من 733

كيف تُعَدُّ خطبة الجمعة؟!

إبراهيم بن محمد الحقيل

كثير من الخطباء لا يكتبون خطبهم التي يلقونها على الناس، ويكتفون بالارتجال ـ وبعضهم يضع عناصر أو رؤوس أقلام في ورقة صغيرة ـ أو يأخذ خطبة لغيره؛ وذلك باستعارتها أو تصويرها من كتبهم.

ومن سيئات الارتجال: أن الخطبة تُنسى وتَدْرس بانتهاء إلقائها، وبعض الخطباء المتميزين تُسجَّل خطبهم وتباع في التسجيلات، وهذا أيضًا يحفظها مدة معينة، ثم تضيع بعد ذلك، ولو سألت عن محاضرات أو خطب سجلت وانتشرت، وطارت في الآفاق قبل عشر سنوات لما وجدت لها أثرًا لا عند الناس، ولا في التسجيلات إلا عند بعض من يهتمون بحفظ مقتنياتهم، وهم قليل، ومع قلتهم أنّى لك العثور عليهم؟ لكنك لو سألت عن كتاب طُبِعَ قبل خمسين سنة أو أكثر؛ فالظن أنك ستجده في المكتبات العامة، ومكتبات الجامعات، وعند أناس كثيرين.

وهذا يدلنا على أهمية الكتابة في حفظ جهود المحاضرين والخطباء؛ بل وطلاب العلم والعلماء؛ فكم من عالم طار صيته في الآفاق، إذا قرأت ترجمته عجبت من ثناء العلماء عليه، ليس له من التأليف إلا القليل؛ فكان أكثر نفعه مقصورًا على من حضروا زمنه، وتلقوا عنه! وكم من عالم أكثرَ من التأليف مع دقته وتحقيقه، وجودة ما يكتب؛ فنفع الله ـ تعالى ـ الأمة بكتبه سنين عددًا؛ بل قرونًا متتابعة. وهذه كتب الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وغيرها انتفعت بها الأمة منذ أن كتبوها في المائة الثالثة والرابعة إلى اليوم؛ بل وإلى ما يشاء الله تبارك وتعالى.

إن الخطيب قد يُعِدُّ خطبة فيتقنها، ثم تؤخذ منه فتُصوَّر وتوزع أو تطبع في كتاب، أو تُدخل في الشبكة العالمية (الإنترنت) ؛ فيخطب بها مائة خطيب، أو ألف خطيب، أو أكثر في أنحاء مختلفة من الأرض؛ فينتفع بها خَلْق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، لم يكن الخطيب وقت إعدادها يتصور انتفاع هذا العدد الهائل بها.

ولعل ما سبق ذكره يدفع الخطباء إلى كتابة خطبهم، والعناية بإعدادها، مثل عناية المؤلف بكتابه؛ بل هم مطالبون بما هو زيادة على ذلك؛ فإن المؤلف لا يستطيع أن يقرأ كتابه على عشرة ينصتون إليه باهتمام. والخطيب يقرأ خطبته التي كتبها على مئاتٍ يتعبدون الله ـ تعالى ـ بالإنصات إليه؛ وذلك من فضل الله ـ تعالى ـ على الخطباء، وهو ما يوجب عليهم أن يشكروا الله ـ تعالى ـ على هذه النعمة العظيمة؛ وذلك بالإخلاص في إعداد الخطبة، والاجتهاد فيها، واحترام عقول من ينصتون إليهم، وإفادتهم قدر المستطاع.

? لكل خطيب طريقته:

يختلف مَنْ يُعِدُّون خطبهم بأنفسهم من الخطباء تبعًا لاختلاف اهتماماتهم، وعلمهم، وثقافتهم، ونوعية المصلين معهم، ومدى تفاعلهم مع الخطيب.

فبعض الخطباء يكتفي بأفكاره وخطراته عن الرجوع إلى المراجع والمصادر، ويخط بنانه ما يوحي به ذهنه وقت الكتابة، بغض النظر عن أهمية ما يكتب من عدمه، أو ترابط الموضوع من تفككه.

وبعض الخطباء يكتفي بمرجع واحد ينقل منه، أو يختصره ويُعدِّل عليه، ويرى أنه أحسن من غيره، ممن لم يكتب، أو كتب من ذهنه وخواطره.

ومن الخطباء من لا يكتب خطبته حتى يقرأ في موضوعها عددًا من الكتب، ويراجع فيها مراجع كثيرة، وهؤلاء قلة، وفي الغالب تكون خطبهم متميزة ومفيدة.

كذلك يختلف الخطباء في مدى اهتمامهم بالخطبة؛ فبعض الخطباء لا يفكر في موضوع الخطبة إلا ليلة الجمعة أو صباحها، أو قبل صعود المنبر بوقت قصير، بل إنني سمعت مرة خطيبًا في مجلس يفاخر بأنه يصعد المنبر وليس في ذهنه موضوع محدد، فيطرأ عليه الموضوع والمؤذن يؤذن، وهذا فيه استخفاف بعقول الناس، واستهانة بخطبة الجمعة التي أوْلاها الشارع الحكيم عناية كبيرة.

بينما سمعت أن بعض الخطباء المتميزين يبدأ تفكيره بموضوع الخطبة منذ نزوله من المنبر في الخطبة الماضية. وبين هذا وذاك مراحل متفاوتة من الحرص والاهتمام والفائدة.

وقبل عرض مقترح لكيفية إعداد الخطبة أحب التنبيه إلى أن الخطبة مثل الكتاب، والخطيب مثل المؤلف. ولكل كاتب أو خطيب أو مؤلف أو باحث طريقته في البحث؛ بيد أن عرض التجارب في هذه المجالات يحقق جملة من الفوائد، لعل من أبرزها:

1 -توجيه المبتدئ ومساعدته، بإعطائه منهجًا مجرّبًا في إعداد الخطبة.

2 -قد تكون الطريقة التي يُعدُّ بها الخطيب خطبته فيها شيء من العسر، وهناك طرق أيسر منها، فإذا اطَّلع عليها أخذ بها.

3 -الإنسان في الأصل ناقص العمل، معرض للخطأ، والناس يكمل بعضهم بعضًا بتبادل تجاربهم وخبراتهم، وفي اطلاع الخطيب على تجارب الآخرين وطرائقهم في إعداد الخطبة تكميل للنقص عنده، أو إصلاح لخطأ في طريقة الإعداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت