خطبة الجمعة رؤية تصحيحية
سلمان بن فهد العودة
1-تمهيد:
نشتكي كثيرًا من سيطرة الآخرين على الإعلام ، وهذا صحيح ، بَيْدَ أنه ليس كلَّ الحقيقة ؛ لأن هذه السيطرة هي أحد أخطائنا الاستراتيجية العَصِيَّةِ على العلاج. أما الشِّقُ الآخرُ من الحقيقة فهو أن الميدان الذي نملكه واسع أيضًا ، ولكنا أخفقنا في استثماره لأسباب كثيرة .
فنحن -أحيانًا- نشعر بأنه لا منافسَ لنا ، فنتحرك ببطء شديد ، وأحيانا نشعر بأن الدائرة تضيق علينا؛ فنهرب إلى معادلة شديدة الاستحالة ، وهي: إن ما نملكه لا قيمة له ، والشيء القيم لانستطيعه .
وبين هذا وذاك يخلد المرء إلى التبعيّة والتقليد والمحاكاة ، ويضم إلى ورد الصباح: ليس في الإمكان أبدع مما كان .
لقد تحسن الأمر كثيرًا ، فلقد كان الخطباء يرددون خطب ابن نباتة المصري حتى وقت قريب !
والحق أن سندنا الأقوى هنا هو الدين .
نعم . الدين الذي ساق هذه الملايين إلى ساحة الخطبة طوعًا واختيارًا .
والدين الذي استنصتهم ، وكاشفهم أن من مس الحصى فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له .
والدين الذي هو اللغة المشتركة بيننا وبينهم ، فبسمه نتحدث وبسمه يستمعون
فإذا أحسنا التعامل مع قضاياه وحقائقه أمسكنا بالزمام ، وإلا فسيكون الضعف من حيث كانت القوة .
2-المضمون:
وهذا يقود إلى جوهر الموضوع .
فحجر الزاوية هو حسن اختيار موضوع الحديث ، وطول التفكير فيه ، ليكون قادرًا على المواءمة بين مطالب الشرع ، وحاجات الواقع ، وتطلعات المستقبل .
إن التوفيق في اختيار الموضوع بحد ذاته ، نجاح حتى لو حدث نقص في تغطيته .
والاتكاء على مُحْكمات الشرع ومُجْملاته أليق وأوفق ، فالحديث عن الله وكمالاته ، ونعمه وأعطياته ، والقرآن وفتوحاته ، والرسول وكراماته ، ثم الإيمان وأركانه ، والإسلام وأعلامه ، والإحسان وبيانه ..
وتأييد ذلك ببديع القول، ولطيف الإشارة ، ومساق المثل ، وأعجوبة القصة ، وبليغ الشعر، ومكتشف العلم الحديث ، وعبرة التاريخ .
مراعىً في ذلك المقصود الأسمى في تحريك القلوب ، وتصفية العقول ، وضبط السيرة .. دون إيغال في جدليات لا تناسب المقام ، أو تذهب ببهجة الكلام . أما تفصيلات الأحكام فلها حيزها المحدود ، فلا تستأثر بالأمر ، ولا يخرج الحديث إلى تشقيق مفرط ، أو تشهير محبط ، أو محاكمة بين الأقران ، أو تهديد بلاهب النيران .
اللهم إلا إذا جاء الحديث عن قطعيات ومحكمات ، من واجبات أو محرمات ؛ فهناك يكون الاقتداء بمنهج القرآن في الوعد والوعيد .
وأيُّ تَثْريبٍ على خطيب يأمر بالصلاة والزكاة ، أو ببر الوالدين وصلة الأرحام ، أو بالإحسان إلى الجيران ، أن يشفع حديثه بوعد صدق للعاملين ، وجنة عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين ؟!
أم أيُّ تثريبٍ على خطيبٍ ينهى عن الشرك وأسبابه ، أو العقوق ، أو بخس الحقوق ، أو فواحش الأخلاق ، أو محكمات المنهيات في الشريعة أن يَزَعَ النفوس بوعيد ترجف له القلوب ، وتصطك له الأسماع ؟
ولعل هذا وذاك خير من عزل الوعد والوعيد عن أسبابها ، وإفرادهما إفرادًا يرسل النفوس مع رجاء ، أو يقطعها من خوف .
أما مواطن الاختلاف، وتعارك الأسلاف ، فحقيق بمن مرّ عليها أن يمر مرور الكرام ، عارضًا لكل أحد حجته ، ملتمسًا عذره ، غير مهدّدٍ ولا متوعد.
على أن الأمر كله في ذلك موصول بكل جديد، ومستفيدٌ من عبر الزمان وأحواله وتقلباته ، ومن شهادة الواقع ومعاناته ، ومن فتوح العلم ومنجزاته .
ثم إن حاجات الواقع أوسع من ذلك وأفسح .
فقضايا الاجتماع ، والعلاقات الاجتماعية بمداراتها المختلفة وتشعباتها ومشكلاتها- حقيقة بالنظر الإصلاحي العميق .
ومثلها قضايا الاقتصاد وتطوراته وشؤونه وميادينه .. والفقر والبطالة وآثارها ... ومعيار طلب الدنيا وطلب والآخرة .
وهكذا الشأن في مسائل الإعلام ووسائله ، وخيره وشره ، وحلوه ومره .
ثم أمور السياسة: مداراتها، واتجاهاتها، وخطئها وصوابها ، ثم منجزات العلم في كل الميادين ، من طب ، وصناعة ، وفلك ، وتربية ، وإدارة ، وحاسب ، واتصال ...
وهذه البنود شديدة اللصوق بحياة الناس الأسرية والفكرية ، ولذا فهم شديدو التعلق بطرقها ، متى كان الطارق حاذقًا ، والمحلّ موافقًا والحال مواتيا .
يظن البعض أن خوض السياسة هو وحده الذي يكسب الخطيب تألقه ، ويحشد حوله الناس .
والصواب أن ا لموضوع الحي ، والتناول السديد ، ورشاقة الأسلوب ، وجودة الإلقاء ، وحسن الانتقال .. هي ضمانات الإبداع ، ومحققات الالتماع ، وجالبات الاستماع .
وكم من واعظٍ بضاعته التبشير والتخويف ، تحتشد حوله ألوف بعد ألوف !
وكم من فقيهٍ متحدث في الحلال والحرام .. والناس حوله فئام إثر فئام !
وكم من مفسّر .. ومفكّر .. ومنظّر .. وما شأن برامج الإذاعة والتلفزة عنا ببعيد !
أيُّ معنى لخطيب يتحدث في الزنا والفاحشة، ولا يعرّج على الإيدز وإحصائياته المذهلة ، ونظائره من الأمراض الجنسية !