وأيُّ معنى لخطيب يتكلم في النكاح، والطلاق، ولا يعرّج على أثر الإعلام والمسلسلات الرومانسية، والروايات الغرامية ، ولا يستشهد بالإحصاءات والأرقام ، ويذكر كل ذلك بلسان العارف الخبير المطّلع ، لا بلسان الناقل المتلقف المتخطّف !
وأيُّ معنى لخطيب يتحدث عن الإعلام ، ثم يجمل الحديث عن الإنترنت ووسائل الاتصال باعتبارها رجسًا من عمل الشيطان ، أو شرًا محضًا ينبغي محاربته ونبذه !
إن ثقافة الخطيب الشخصية ذات أثر بعيد في نجاحه ، ويفترض أن ما يلقيه المتحدث في موضوعه لا يتجاوز 10% مما قرأه حول الموضوع.
و حين تتناول هذا الموضوع، أو ذاك، فتذكرْ أن في مستمعيك من يفوقك - ولو في موضوع خاص - فجاهد نفسك في الدقة العلمية ، وإصابة المرمى ، وإن أعوزك الأمر فلُذْ بتعميم العبارة ، وتوسيع الإشارة ، وحاذر من حكاية الأوهام ، بحجة أنك لست في باب الحلال والحرام ، فإنك تخسر بذلك كل يومٍ فئةً تدري أن ما تحكيه ليس بصواب، فتنجفل إلى الباب !
و أَقْمِنْ بالخطيب - والحديث يجر بعضُه بعضًا - ألا يصغي بأُذُنِهِ لخبر محتمل ، أو رواية مترددة ، أو ظن أو تخمين ، حتى يعلم علم اليقين !
وما أحراه أن ينأى بنفسه عن الحديث عن الأشخاص، والأعيان تصريحًا أو تلميحًا !
وما أجدره أن يجانب لغة السب والتقريع والتوبيخ ، ورديء القول ، وشنيع المقال ؛ فالعفة من الإيمان ، والبذاءة في النار .
وليكن في وارد البال أنه كلما كان الموضوع أكثر تحديدًا - في هذا الباب - وأكثر دقة ، وأبعد عن التعميم كان ذلك أدعى لسهولة الإعداد ، وأيسر لتحقيق المراد ، وأقرب إلى الفهم ، وأوضح في الحكم .
ومن تناول الموضوع بعموميته حام حوله ، ولم يُصِبْ كَبِدَهُ .
ولأن هذه المسائل مترابطة بسنة الحياة ، فليس بِبِدْعٍ من القول أن تتناول الخطبة الواحدة عددًا منها من جوانب شتى .
إذ لا يمكن فصل موضوع الزواج عن باب الاقتصاد ، ولا عن باب الإعلام ، ولا عن مبتكرات العلم الحديث ، فضلًا عن الوعد والوعيد ، والقرآن والحديث .
أما عن تطلعات المستقبل فالقاعدة فيها النظر إلى مستقبل الإنسانية: علمًا، وفكرًا، وسياسة، واقتصادًا ، إذ المسلمون جزء من هذا العالم لا يملكون عَزْلَ أنفسهم عنه بحال ، فهم به متأثرون كثيرًا ، ومؤثرون قليلًا ، بل نادرًا ، والله المستعان .
ولكن استراتيجيات الدعوة، وخططها وطموحات أهلها مربوطة بهذا الأفق الواسع الكبير ، ولا ينجح في الفِلاحة من لا يعرف طبيعة الأرض.
ثم هناك ، بعد هذا وذاك ، مستقبل الإسلام والمسلمين ، والدعوة والدعاة، وقدرتهم على إدارة الحياة، وتوجيهها وفق شريعة الحق والعدل .
وهذه المناحي الثلاثة تحتاج من الخطيب الحاذق لَمَسَاتٍ واعيةً ، ونَفَثَاتٍ هاديةٍ ، وتأصيلًا بديعًا ، وترسيمًا رفيعًا ، يصل الأمس باليوم ، واليوم بالغد ، ويستشرف أفق المستقبل الواعد ، ما أعيت الحيلة فيه في الحالِ الحالّ ، من غير هروبٍ ، ولا مجازفة ، ولا تخدير .
مع محاذرة التوقعات المحدّدة ، والتخوفات المردّدة ، والآمال الكِذاب ، والأحلام العِذاب .
ولقد أصبح المستقبل، ودراساته علمًا قائمًا بذاته ، له مدارسه ومراكزه ومؤسساته ، وله متخصصوه، وكتّابه ومؤلفاته ، وهو كالنتيجة للمقدمة ، والثمرة للسبب ، والأثر للمؤثر ، وإن كان الظن يصدق ويكذب .
وأَعْلَمُ ما في اليومِ والأَمْسِ قبله *** ولكنَّني عن علمِ ما في غدٍ عَمِي
هذه وَقَفَاتٌ سريعةٌ غيرُ مفقَّطةٍ ولامُنَقَّطَةٍ حول مضمون الخطبة وموضوعها وفحواها ومعناها .
اللغة والأسلوب وطريقة التعبير ، سواءٌ أكانت لفظية منطوقة ، أم كتابية مسطرة، هي وعاءٌ للحقائق والمعلومات، والأفكار التي تحملها .
ودون شك فإن المضمون الجميل ، حقه أن يُقَدَّم في قالب جميل يليق به ، ولذلك قال بعض المفكرين: إن الطريقة التي تقدم بها الفكرة هي جزء من الفكرة ذاتها .
وهذا صحيح .
ولعل جزءًا منه يتبين في مثل صفة الرسول- صلى الله عليه وسلم- حال الخطبة ، ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب احمَرّت عيناه ، وعلا صوتُهُ ، واشتد غضبُهُ حتى كأنّه منذرُ جيش ، يقول: صبّحكم ومسّاكم ، ويقول: ( بُعِثْتُ أنا والساعةَ كهاتين ، ويَقْرِنُ بين إصبعيه: السبابةِ والوُسطى ، ويقول: أما بعد ؛ فإن خيَر الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهدي هديُ محمد . وشرُّ الأمور محدثاتُها , وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ ، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمنٍ من نفسه .من ترك مالًا فلأهله ، ومن ترك ديْنًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ ) .
فحين كان صلى الله عليه وسلم يتكلم عن أمر التخويف والتحذير ؛ كان هذا يبدو على قسمات وجهه ، ونبرات صوته ، من غير تكلف ،ولا تعمّل .
وحين انتقل إلى تقريب الساعة وبيانها استخدم صلى الله عليه وسلم ، صيغة عملية ملفتة ، وهي الجمع بين إصبعيه ، حتى يضم إلى الدِّلالة اللفظية إيضاحًا عمليًا مشهودًا يستقر في الذهن .