تأليف
أبي يزن حمزة بن فايع الفتحي
إمام وخطيب جامع الملك فهد بمحايل عسير
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ، كما يحب ربنا ويرضى ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فلا يزال منبر الجمعة المنصب الرفيع ، والموطئ المهيب ، والكلمة المشرقة على جماهير المسلمين ، مع اختلاف تخصصاتهم وثقافاتهم ومستوياتهم ، حيث لا يوجد تجمع دائم ، وشعيرة أخاذة ، يتعين على الجميع شهودها مثل خطبة الجمعة ، التي كلماتها كرفارف الجنات الباسمة ونفحاتها كالسياط اللاذعة ، التي توقظ الكسول ، وتنبه الغافل ، وتجدِّد الإيمان ، وتحيي البصائر ، وتحفز للعمل ، وتشحذ العزائم .
فللمنبر (حجمه وهيبته) ، وقوته وصرامته ، وأثره وهزته وحسه وحلاوته، ومن نعمة الله تعالى ، أن جعل هذا المنبر نافذة الناس على الخير ، وإشراقتهم الإيمانية ، التي لا مناص منها ، ولا يمكن تحديدها أو إلغاؤها! حتى من لا يعرف المحاضرات والدروس ، ولم يشم رائحة العلم، يجد نفسه مضطرًا لحضور منارة الأسبوع المشعة ، والإصغاء لترنماتها العذبة ، وتوجيهاتها الآسرة ، وكل ذلك يدفعنا لتنمية المنبر والارتقاء بحديثه ودوره التوجيهي ، وأن يكون الخطيب المتحدث ، والمهيمن بكلمته ، على مستوى المنبر (وحسه التثقيفي) ، الذي يرتقي بالأمة والمستمعين إيمانيًا وأخلاقيًا وسلوكيًا وفكريًا ، ويخرج من التقليدية الهزيلة ، والنمطية الباردة، والانعزالية الرتيبة ، والانفصام المكشوف !
إنَّ هيبة المنبر ، ومكانته ، العلية خليقة بأن تقذف فينا روح الحماس، وشعلة التغيير، وجذوة النهوض بوضعية الخطبة التي يُراد لها البرود والانحطاط ، والخروج عن حاجة الناس ، وأشجانهم وشئونهم .
ولذا على من يوقر المنبر ، ويعرف له حقه ومقداره ، أن يجدِّد له هيبته ، بصدق التوكل على الله ، وحسن الإخلاص ، وجودة التحضير، وفضيلة الإعظام والاهتمام .
إنَّ تحلّي الخطيب النبيه (بفضيلة الاهتمام) ، تجعله يحسب للمنبر حسابه، ويحترم عقول جمهوره، ويفيض عليهم بمحاسن القول ، وروائع الموضوعات، والفوائد والتوجيهات .
إن شحَّ الخطباء المؤثرين ، وندرة المبدعين ، توجب علينا مراجعة أدائنا الخطابي ، وبلورة نهجنا المنبري ، وغربلة تعاطينا الدعوي لهذه الوظيفة الجليلة ، والمرتبة الراقية الشريفة !
ليس كل إنسان يحسن الخطابة ! وليس كل عالم ومثقف يمكن أن يكون خطيبًا ! بل ثمة أمور إذا اجتمعت للمتحدث أمكن أن يكون الخطيب المرتقب ، والمتحدث المفوّه ، الذي يجعل من خطبته تربة الغراس اليانعة ، ومناخ الإصلاح والانطلاق، وربيع الجد والمسارعة.
إننا نحتاج مع صدق الخطيب ، غَيرته الدينية ، وثقافته الفسيحة ، (وفكره اللماح) وحكمته النافذة ، وعالميته الممتدة ، ونبضه المؤثر ، وبيانه الآسر !
وهنا نبعث (برسالة صغيرة) ، متواضعة، تجلّي (هيبة المنبر) وما ينبغي من التهيؤ له ، والتحلي به ، تجاه تلك الهيبة الممتنعة ، والمكانة الراسخة ، والمُرتقَى المنيف !
الذي تحاول أطراف مخصوصة تنحيته ، وعزله عن الناس ، وأشجان الجماهير ، وجعله في (سياق مفقود) عن الأثر والتأثير ، وسوق الناس إلى العمل والتجدد والفاعلية ، وقد يسهم خطباء مقصرون في توسيع هوّة الانعزال والانفصام ، لتصبح الخطبة جوفاء ، خاوية على عروشها ، وتغدو صوتًا بلا آذان ، وصُراخًا بلا أفئدة ، ومواعظ بلا أصداء ، وكلمات بلا ولوع وتفاعلات !
إنَّ ضعف منبر الجمعة ، نوع من ضعف الدعوة ، وتراخي المتحدث ، وشح الحس البلاغي ، والرضا بالدون والكسل والانهزام .
إن معركة الإسلام مع الكفر والغي والانحراف يستطيع الخطيب الناجح علاجها واستشعارها من خلال الدقائق المبذولة ، واللحظات المفعمة زمن الخطبة والموعظة والنصيحة .
وهو ما نحاول أن نقدمه في هذه الرسالة المقتضبَة والتعليقة الموجزة تحت عنوان (هيبة المنبر) (1) التي أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يوقظ ضمائرنا ، ويحيي قلوبنا لنرتقي بالخطبة وأدائها وفاعليتها لتؤدي دورها الحقيقي ، ومسئولياتها الرهيبة لمن استشعرها بصدق واستحملها بجد وحزم كما قال تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل ،،
محايل عسير
ليلة عيد الفطر
الأربعاء 30/9/1426 هـ
2/11/2005م
سمعت بعض الخطباء يقول: (إنني رغم مدتي الطويلة في الخطابة إلا أنني أشعر بتهيّب بالغ له ، وباحترام كبير ، وأخشى نقد الناقدين ، وتعقب المتعقبين ) أو كلمة نحوها .
(1) وقد جَهدت أن تكون رسالة صغيرة ، يسهل حملها وقراءتها بسرعة ، وأشكر جميع من نصح ووجه من المشايخ وطلبة العلم ، وأخص منهم أخي الشيخ عبد الله الفتحي وغيره ممن أتشرف بتوجيههم وإفاداتهم جزاهم الله خيرًا .