كذا فليكن الاهتمام والاستعظام لأمر المنبر ! إنه موضع مَهيب ، ومنزل موقَّر ، يشحن المتقي الزكي بنفسية الهم والجد والاهتمام ، فلا يغدو لمسجده إلا وهو خائف وَجِل ، مهتم حريص ، مستعد بصير ، يخشى الخطأ ، ويرتعب التقصير ، وبقدر الهم يكبر العزم .
ليس الخوف من المنبر هو نقد الناقدين وتهكم الناقمين فحسب... كلا ! بل هو شرفُ هذه المهنة ، واستعلاؤها في قلوب المسلمين ومدى جاذبيتها في الأذهان والأبصار (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ) .
إن هيبة منبر الجمعة تكمن في علائه الديني ، وسموه الأدبي ، وإجلال الناس له ، واصطفاء النخبة لأدائه ، وكونه مشعل الأسبوع الوضاء ، وكلمته المتجددة ، وأمانته الناصحة ، وموعظته البليغة ، التي هي بإذكاء الهم أجدر ، وبإيقاد البذل أحكم وأوفر .
وبقدر الجد والهم والاعتبار ، تكون فاعلية الخطبة وتأخذ حجمها التأثيري والتوجيهي والتربوي في حياة الناس والمتلقين .
إن المساحة واسعة بين خطبة مرقعة هزيلة ، وأخرى منظمة محضرة ، محكمة ، والناس شهود الله في الأرض ! من أحسن فله الحسنى ، ومن أساء فعليها ، وقد عبر عن مستوى عقله ، وحدّه ، ومدى اهتمامه الشرعي وحسه الإسلامي ، وحِراكه الدعوي، فليستكثر أو ليستقل !
أيها الخطيب المقدام ، ازرع الهيبة في نفسك من هيبة المنبر ، ومحله الرفيع في قلبك، وتذكر أمانته الخطيرة ، ومسئوليته الجسيمة ، التي تجعلك تتوخى بتوجيهه مكامن الإفادة والإحسان والإتقان ، المخضوبة برياحين الإخلاص والرهبة والإخبات ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا .
مواضع الهيبة في المنبر
الإحساس الشرعي بأهميته وعلوه ، وأنه من أزكى الطاعات وأعلا المقامات.
مخافة الزلل فيه ، والتقصير في أدائه ، وخشية التغافل عنه.
إجلال الجماهير له ، واحترامهم لمرتاديه والمتسنمين ذروته وقامته .
انفصام العمل عن ثرثرة القول ، وطول المواعظ الغاصة ، والنصائح المتوالية ! وهذه زلة شنيعة ، ومزلق قبيح . قال تعالى: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ) . [الصف: 3] .
صعود الفضلاء له من الأنبياء وأتباعهم من العلماء المصلحين والمؤثرين ، وليس كل من اشتهاه ارتقاه !
توالي التبعات بالكلمات المرصوفة ، والحجج الدامغة على نفسية الخطيب ، لأنه من أكثر الناس نصحًا ، ومن أوائلهم باستحقاق التبعة ، وإقامة الحجة. قال تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) . البقرة: 44]
الانبهار بمجيديه ومتقنيه ، وكثرة ثناء الناس عليهم ، مما يخشى فساد النية ، والتحول إلى مثوى الغرور والعجب .
كشف المستوى العلمي والفكري لدى الخطيب ، حيث إنه يعرض عقله كل جمعة ، ويقدم بضاعته كل أسبوع ، مما يمكن الناس من معرفة قدراته ، والإحاطة بمحاسنه ومساوئه .
محك اختبار المنطق وسيلانه ، أو تعقده وانقباضه كما قد حصل لغير واحد ، انشلت قدراته الكلامية ، وتعطلت مداركه الفكرية .
كما قد نقل عن بعض أمراء خُراسان واسمه ثابت قطنه . أنه صعد المنبر فارتج عليه ، فنزل وقال:
فإن لم أكن فيكم خطيبًا فإنني
بسيفي إذا جدَّ الوغى لخطيبُ
فقال له الناس:
"لو قلتها على المنبر لكنت أخطب الناس".
أحوال الخطيب اللائقة قبل الخطبة
التهمم بموعدها ، واستشعار ثقلها ، وماذا سيقدم فيها ؟!
دوام الفكرة في اختيار موضوعها اللائق زمنًا ، والمناسب حدثًا ، والنافع أثرًا .
كثرة الاطلاع الشرعي ، وتوسيع الثقافة المستوعبة لكل نواحي الخطبة ، ومعالم التأثير فيها .
تقييد الأفكار السانحة ، والخواطر والأساليب ذات الاتصال بالخطبة ومدى التأثير فيها .
التواصل الإعلامي عبر صحيفة جيدة ، أو مجلة رصينة لمعرفة آخر الأحداث والأخبار والتحليلات ومع ظهور (الإنترنت) بات التواصل سهلًا وسريعًا ومفيدًا ، وهذه نعمة من الله تعالى (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا) .
[النحل: 18]
الاعتبار بالمواقف والأحداث المشاهدة التي تصلح أن تكون محل حديث يومًا من الأيام .
التزود الروحي الذي يذلل الصعاب ، ويعده السالك لمثل تلك المواقف ، من ذكر وخير وصدقة ، وسؤال الله الفتح والقبول والإعانة ، ولو قال أحيانًا دعاء دفع الهم والحزن والكرب فحسب ، لأن مثله كربة في حق الداعية الوَجِل والنصوح المشفق .
الصفات السلوكية للخطيب
تحسين التدين والانضباط الشرعي ، وتعاهد النفس بالأوراد والقربات .
التخلق بأخلاق الإسلام من حسن الخلق، والصدق والعفة والأمانة والإحسان والصلة ، ودوام التودد .
المبادرة إلى الخيرات ، وأخذ زمام التفاعل تجاه كل مشروع خير ، أو صنيعة معروف (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) (البقرة: 148)
التواضع والليونة ، وخفض الجناح للمسلمين والتباعد عن كل ما يشين ، أو يسارع بالهجوم أو الاتهام .