الصفحة 139 من 733

عامر المقاطي

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين 0

أما بعد: فهذه الخواطر ما هي إلا إشارات مختصرة لمسائل شرعية تخص الخطيب ربما غفل عنها البعض إما جهلًا منهم أو تكاسلًا أو ما علق بأذهان بعض الخطباء من أن الخطبة الشرعية هي ما اعتاده الناس في هذا الزمان دون النظر إلى أصل بعض المسائل المختصة بخطيب الجمعة . (1) وبالله التوفيق .

1-الإخلاص والمتابعة:

فالذي ينبغي للخطيب في ذلك أن يكون منشأ الخطبة و السعي إليها وطلبها من باب الإخلاص لله عز وجل وتبليغًا للدين ودعوة إلى التمسك بالعقيدة الصحيحة والشريعة السمحة عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (( بلغوا عني ولو آية ) )ولكن هذا العمل لا يتم قبوله بعد الإخلاص لله عز وجل إلا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فهذان هما شرطا قبول العبادة لقوله تعالى (( ليبلوكم أيّكم أحسن عملًا ) ).

قال الفضيل بن عياض: أي أخلصه وأصوبه )) أهـ .

واعلم بأن الأجر ليس بحاصل *** إلا إذا كانت له صفتان

لابد من إخلاصه ونقائه *** وخلوه من سائر الأدران (2)

2-قد يبدأ الخطيب مشوار الخطابة بداية متواضعة يحقر فيها نفسه ولكن ما أن تقف قدماه على منبر الخطباء النجباء الذين يملكون قلوب الناس قبل أسماعهم إلا وتبقى نفسه عرضة للانزلاق في مهاوي العجب الذي يحمله على الإعجاب برأيه دون غيره فيقع فريسة للأخطاء ومجانبة الصواب لاسيما في الأمور المعضلة والنبي صلى الله عليه وسلم ذم هذه الصفة بقوله: (( إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوًا متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ) )رواه أبو داود والترمذي وحسنه 0و أحسن ما يداوي المعجب بنفسه نفسه هو أن ينظر إلى من فوقه علمًا وتواضعًا من سلفنا الصالح وعلمائنا الكرام (نرفع درجات من نشآءُ وفوق كل ذي علم عليم ) .

قال الشاعر:

من شاء عيشًا هنيًا يستفد به *** في دينه ثم في دنياه إقبالا

فلينظرن إلى من فوقه أدبًا *** ولينظرن إلى من دونه مالا

3-ينبغي للخطيب أن ينتبه لناحية مهمة تعد مدخلًا واسعًا من مداخل الشيطان لا سيما إذا كان الخطيب ممن يتجمهر حوله الناس ويكثر محبوه وهذا الأمر المهم هو إرضاء الناس فالخطيب المشهور تعتريه غالبا حالتان إما أن يرضي جمهوره بخطبة فيها تشنج وقوة نقد دون روية أو تسييس أو يرضي طرفًا آخر غير الجمهور وكلا الأمرين خطأ فادح ولا أدل على خطأ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ومن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضا عنه الناس ) )هذا إن أرضاهم بأمر خاطيء ، أما إذا أرضى أحد الطرفين بأمر صواب وهو يقصد إرضاءهم بذلك فهو من باب الرياء وهو الشرك الخفي (3) .

4-استيعاب الخطبة للموضوع:

يخطئ بعض الخطباء الفهم حينما يظنون أن الخطبة يمكن أن تستوعب معظم المواضيع التي يراد طرحها وهذا من وجهة نظري (4) ليس بصحيح لأنه يوقع في سلبيات متعددة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:-

* الإكثار من الأدلة والنقاط المتعلقة بالموضوع بحيث ينسي آخرها أولها .

* الإطالة على المستمعين في الخطبة ومن ثم خروجها عن المقصود وهو التخفيف ولذلك نجد بعض الخطباء قد يتجاوز النصف ساعة فأكثر وهذا مشاهد .

* أن المراد من طرح الموضوع هو التذكير والعظة وهذا يحصل من دون إطالة بل يكفي التركيز على أساسيات الموضوع مع عدم لزوم الاستيعاب لأنه كما قيل: الحر تكفيه الإشارة

5-يقع بعض الخطباء وفقهم الله لكل خير في عادة مذمومة حيث جمعت مذمتين ألا وهي عادة السجع المتكلف في الخطب حيث يجمع مذمتين إحداهما ترادف الكلمات بحيث تصبح الخطبة حشوًا يغني عنه كلمة أو كلمات والأخرى كون السجع مذمومًا في بعض الأحوال .

ومما يدل على ذم السجع ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (... وفيه وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم فقال حمل بن النابغة الهذلي:يا رسول الله كيف يُغرم من لا شرب و لا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل هذا يطل !؟ فقال رسول صلى الله عليه وسلم:إنما هذا من إخوان الكهان ... ) متفق عليه .

وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أن السجع مكروه لسببين:

الأول: إذا عورض به حكم الشرع كما في الحديث .

الثاني: إذا تكلفه المخاطب في مخاطبته , وأما إذا لم يتكلفه فإنه لا يكره وعلى هذا يحمل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث من الأحاديث التي ورد فيها السجع 0وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لكاتب ( إيّاك والسجع فإنّ النّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا لا يسجعون ) رواه أحمد بإسناد صحيح 0وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه وفيه ( انظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت