فنون خطابية .. ومهارات إلقائية
ماجد بن جعفر الغامدي
ومضات البدء:
حتى يكون حديثك عامرًا له أنداء وأفياء .. وظلال وأبعاد .. وحتى يكون كلامك مؤنسًا مشجيًا .. منعشًا مشوقًا .. وحتى يكون قولك مطربًا مغريًا .. خفيفًا شائعًا .. وحتى يكون أسلوبك لطيفًا شريفًا .. باسمًا مبهجًا .. وحتى يكون موضوعك عليه طلاوة .. وله حلاوة .. وفيه نضارة .. وحتى تؤثر في الآخرين فتبذر فيهم التفاهم والتكاتف .. فتجني التضامن والتعاون ..
وحتى تكون كذلك بل أكثر .. انطلق معي أخي المتميز المبدع في هذه الأسطر حتى نجول ونصول ونتعلم مهارة المبدعين المتميزين ( أنت بالطبع أحدهم ) مهارة العظماء ..
وصنعة الأبطال مهارة الإلقاء الفعّال المثمر على دراسة منهجية تركّز على الجوانب العملية أكثر .. وبعد أن تستمتع بهذا الموضوع وتنزل ما تعلمته على واقعك وتمارس وتجرّب وتحاول مرةً وأخرى وثالثة حتى تتقن وتتجاوز حدود الإبداع ستعلم مدى ما كنت تحتاجه إلى هذه المهارة المهمة بل واللازمة للجميع والتي من خلالها ستتعلم الكثير من المهارات وستتذكر مباشرة قول دوسكو درو موند حين قال: (( لو قُدّر لي أن أفقد كل مواهبي وملكاتي وكان لي حق الاختيار في أن احتفظ بواحدة فقط ..فلن أتردد في أن تكون هذه هي القدرة على التحدث لأنني من خلالها أستطيع أن استعيد البقية بسرعة ) ).
وأيضا ستشعر من خلال ممارستك الدائمة للإلقاء بقول الخطيب المشهور (زج زجلر) :
(( سواء رضينا أم أبينا .. فإن الذين يُحسنون الحديث أمام الناس يعتبرهم الآخرون أكثر ذكاء .. وإن لديهم مهارات قيادية متميزة عن غيرهم . ) )
إذن أخي هي ليست مهارة عادية بل منها السحر والبيان وكما في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (( قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من البيان لسحرا ) )
الخطابة في الإسلام:-
في لندن يزدحم الناس حول الخطباء في الركن المخصص لذلك في حديقة (( هايدبارك ) )فإذا وقف قسيس ليخطب لا يظفر ، إلا بعدد قليل جدًا من المستمعين ..ويرجع ذلك إلى أن خطبهم لا تعدوا أن تكون أحاديث عن حياة المسيح مأخوذةً عن الأناجيل أو تكون من مطالعات في العهد القديم ،أو بعض التعاويذ والترانيم ..إلى غير ذلك مما هو معروف للناس ، وقد سمع مرارًا وتكرارًا وأصبح لا يَهزُّ المشاعر ولا يلمس الوجدان.
ومقارنة بالمثال السابق .. فإن الخطابة في الإسلام لها مبادئ وأصول قامت عليها وعلى سبيل المثال خطبة الجمعة وما تتمتع به من مميزات فجميع المسلمين يحضرونها ويجلسون لاستماعها فالكل آذان صاغية للخطيب وبها يكون التوجيه فهي ليست مأخوذة من أناجيل مكذوبة ..أو ترانيم خادعة ..بل هي قانون حياة ..ومنهج عمل .. مدعمة بخير كلام ليس فيه من التحريف وليس من كلام الناس بل من كلام رب الناس (( ومن أحسن من الله قيلًا ) ).
هل يمكن تعلم الخطابة والإلقاء:
الخطابة صعبة … والإلقاء مستحيل ..وأنا سيء في حديثي .. فهل يمكنني أن أجيد فن الإلقاء.؟
أقول: وبكل سهولة .. تستطيع أن تتعلم الإلقاء .. ولا يعني عزوفك أصلًا عن إلقاء الكلمات أنك لن تستطيع إجادتها ، أو أن إخفاقك في موقف سابق يجعلك تصد عن ذلك ، بل انظر بإيجابية واعلم أنك قد استفدت من موقفك السابق وتعلمت منه التجارب والخبرات حتى تجعلك تتقن هذا الفن ، يقول إيمرسون: (( إن جميع المتكلمين العظماء كانوا متكلمين سيئين في البداية ) ).
اعلم أن: القدرات .. يصنعها الإنسان ، والمهارة .. يكتسبها ويتعلمها الإنسان.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنما العلم بالتعلم ..وإنما الحلم بالتحلم ) ).
فالإلقاء والخطابة علم وأمر يمكن للإنسان أن يتعلمه إذا اتبع قواعده وسار على نهجه وجلد على مراسه.
فهذا واصل بن عطاء - أحد أئمة المعتزلة - كان لديه لثغة في حرف الراء .. فحاول أن يستقيم لسانه .. فلم يستطع ورغم ذلك فلم يترك الخطابة بسبب هذه اللثغة فما كان منه إلا أنه كان يخطب من غير حرف الراء فأصبح من أوائل الخطباء وأشهرهم .
والآن وحتى نبحر في هذا الفن الرائع الجميل .. فإنه من الأفضل أن نتطرق إلى أمور كثيرة تتعلق باللإلقاء .. وحتى تكون دراستنا أكثر منهجية .. وتعلمنا أكثر إتقانًا .. فسنتعرض إلى ما يجب أن يتحلى به الخطيب من صفات وكذلك قضية التحضير فهي ملازمة تمامًا للإلقاء ومرتبطة به تمامًا ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر بمستوى إتقان التحضير يكون الإبداع في الإلقاء ، وأيضًا التدرب قبل الإلقاء ، وكذلك ما يمكن فعله عند الخوف والارتباك وبعد هذا وذاك نشرع في ذكر المهارات الإلقائية والفنون الخطابية .
صفات الخطيب المتميز:-