الصفحة 126 من 733

8-ثباتها في كافة الأحوال ، فهي مستمرة في السلم والحرب ، وفي القحط والجدب ، وفي سائر الظروف .

ومع ذلك كله رغم مدى عنايتنا بهذا المنبر ، وشعورنا بأهميته ، والحرص على أن يصعده الدعاة الصادقون ، وطلبة العلم الواعون ؟

والخطباء أنفسهم أمام مدى إدراكهم لهذه الرسالة وقيمتها وأهميتها ؟ أليست خطبة الجمعة تستحق منا عناية ودراسة لاستثمارها ، وأساليب تطويرها ؟ ولم لا تتلقى المراكز والمؤسسات الإسلامية دورات وبرامج لإعداد الخطباء وتدريبهم ، والرفع من مستواهم ؟ إنها تساؤلات آمل أن تلقى عناية إخواننا .

ثانيًا: الموضوع:

1-أن يختار الموضوع في وقت مبكر ، فإن تأخير اختيار الموضوع ، إلى ليلة الجمعة وربما يومها ، يؤدي بالخطيب ، إلى أن يقرر أي موضوع يخطر في باله ، وربما لا يكون مقتنعًا به القناعة التامة ، إضافة إلى أنه لا يترك له فرصة كافية للتحضير والتفكير في عناصر الموضوع ومحاوره . ويعاني الكثير من الخطباء من هَمِّ اختيار الموضوع ، فيُقترح إعداد قائمة متنوعة من الموضوعات ، يختار بعد ذلك من بينها .

2-التفكير الجيد في الموضوع بل وطول التفكير فيه - وهذا يستوجب الاختيار المبكر له - يقول ( دايل كارنيجي ) في كتابه (فن الخطابة) : ( حدد موضوعك مسبقًا حتى يتسنى لك الوقت للتفكير به مرارًا . فكر به طيلة سبعة أيام ، واحلم به طيلة سبعة ليال ، فكر به أثناء خلودك إلى الراحة ، وفي الصباح وأنت تستحم ، وفي طريقك إلى المدينة ، أو بينما تنتظر المصعد ، وعندما تكوي الثياب ، أو حين تطهو الطعام ، وناقشه مع أصدقائك واجعله موضوع حديثك ، واسأل نفسك جميع الأسئلة الممكنة التي تتعلق به ) [7] .

3-أن يكون الموضوع عن قناعة لا تمليها ضغوط الشارع ، أو المناسبة ، أو جهة معينة . مع الترفع عن الإثارة العاطفية .

4-التنويع في الموضوعات والمجالات وعدم التركيز على جانب واحد .

فينبغي أن تشتمل موضوعات الخطيب الحديث عن مشاكل الناس الاجتماعية ، وحلولها ، وعلى بيان واقع الأمة ، والمؤامرات عليها ، وعلى الحديث عن الأخطاء المتفشية بين الناس ، وعلى بيان العقيدة وتعليمها للناس ، وعلى بيان ما يحتاجه الناس من أحكام عباداتهم ومعاملاتهم ، وعن الرقائق والوعظ ، وتذكير الناس ؛ وباختصار ينبغي أن تشمل على كل ما يحتاج المسلم أن يعرفه في شؤون حياته .

وقد تجد البعض من الخطباء يركز على جانب الوعظ دون سواه ، والآخر على الجانب السياسي ، والثالث على الجوانب الاجتماعية .. وهكذا .

إن هناك فئة غير قليلة من المسلمين لا يتلقون العلم إلا من خلال خطبة الجمعة ، وإن تحقيق التكامل والتنوع في موضوعات الخطبة يهيئ لهؤلاء حَدًّا أدنى من الثقافة الشرعية .

5-التحضير الجيد والمتكامل للموضوع ، من خلال القراءة والاطلاع على ما كتب في الموضوع حديثًا وقديمًا ، وإن ترتيب الخطيب لملفاته وأوراقه ، وتدوين ما يمر بباله من عناوين لكتب ، أو مقالات ، أو موضوعات ، أو تقارير مما يعينه على ذلك . إن المنبر أمانة ، والمصلون ينتظرون أن يسمعوا الجديد من الخطيب ، ومهما كانت ثقافة الخطيب وإطلاعه ، فإنه لا يستغني عن المراجعة والإعداد ، والترتيب لموضوعه ، ومن الظلم للمصلين ، وإهمال الأمانة ، أن يحدد الخطيب موضوعه متأخرًا ، ولا يعد له فيجيء مهلهلًا متنافرًا .

وفي حادثة السقيفة المشهورة قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - (فزورت في نفسي مقالة ) . قال البعيث الشاعر - وكان من أخطب الناس -: (إني والله وما أرسل الكلام قضيبًا خشيبًا ، وما أريد أن أخطب يوم المحفل إلا بالهائت المحكك ) . وكان ابن النوام الرقاشي إذا دُعي للكلام ولم يكن مهيئًا نفسه يقول: ( ما اشتهي الخبز إلا بائتًا ) .

6-أن يكون الموضوع حول واقع الناس ، وما يحتاجون إليه ؛ فالعالم الإسلامي اليوم يموج بأحداث ساخنة ، ومضطربة ، والعقل المسلم يعاني من تحليلات الإعلام المضلل الذي يصور القضايا وفق ما يريد فلان ، أو غيره ؟ ولذا فإن المصلي ينتظر أن يسمع الكلمة الصادقة ، وعرض القضية من هذا الخطيب الذي يثق فيما يقول لأنه يعرف أنه يدرك أمانة الكلمة ، ومسؤليتها .

وثمة طائفة من المسلمين لا تتفاعل مع قضايا الساحة ، ولا تُعيرها أي اهتمام ، فلها شأن آخر مع شهوات النفس ورغباتها ؛ وهذه الفئة تحتاج لمن يغرس فيها التفاعل مع قضايا المسلمين ، والاهتمام بها ، وأقرب الناس ، وأقدرهم على ذلك هو خطيب الجمعة . ومن الجوانب التي تمسّ الناس ، ما قد يحصل من قضايا ، وإشاعات ، وأخبار أو ظواهر متفشية ، إلى غير ذلك مما يخصّ بلدًا معينًا ، فينبغي للخطيب أن تكون له فيه كلمته .

وحين يتحدث الخطيب عن هذه القضايا ، لا ينبغي أن يفرط في التحليلات السياسية ، والاجتهادات الخاصة ، والتي هي عرضة للخطأ والصواب ، إنما يركز على بيان وجه القضية ، والأخبار الصادقة عنها ، والمنهج الشرعي في التعامل معها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت