إنَّ على من يتصدر لمخاطبة الناس أن يعتني بما يصدر عنه اعتناءًا شديدًا ، وينتقي عباراته انتقاءًا دقيقًا ، ويحرص حرصًا كبيرًا على أن يخرج كلامه بدقة وإتقان ، حتى ينفع سامعيه ويسد - قدر الطاقة - منافذ الهوى عند بعض الناس ، ومع ذلك كله لن يسلم أحد من الخطأ مهما بلغ حرصه ، ويعجبني المتحدث الذي يملك الجرأة والشجاعة على مراجعة أقواله ، ويوضح ما استشكله الناس عليه ، ويعترف بخطئه إن كان ثمة خطأ .
خامسًا: الحذر من التعلق بالأشخاص:
من الآفات المزمنة التي تظهر عند كثير من الجماهير ؛ سواء أكان ذلك على المستوى الفكري أم الدعوي أم الاجتماعي أم الفقهي ... ونحوها: التعلق بالرموز والانكفاء عليها ، والشعور بأن هؤلاء وحدهم القادرون على إحياء الأمة والنهوض بها من كبوتها ، فإذا عجز هؤلاء أو حبسهم العذر أصيب الناس بالإحباط ، وثارت في كوامنهم دواعي العجز والحيرة ، ويؤدي التعلق بالأشخاص أحيانًا إلى ازدراء مصلحين آخرين ربما لا يقلون عن غيرهم أصالة وفهمًا وقدرة ، وقد يؤدي هذا التعلق إلى طمر الإمكانات الكامنة في بقية الأفراد ، أو عدم استغلال الفرص السانحة لهم .
وقد يُرسِّخ هذا المفهوم بعض هؤلاء الرموز ، ويدفع الناس إلى تقليده وتعظيمه ، بلسان المقال حينًا ، وبلسان الحال أحيانًا أخرى . والتقليد قاصمة من القواصم التي تقتل كل ملكات الإبداع والتفكير ، وتحول الجماهير إلى مجرَّد قطعان هائمة يسوقها الراعي ذات اليمين وذات الشمال ، وهي تستجيب له بكل دعة وخنوع . والنجاح الحقيقي للمصلحين ليس بالقدرة على أن يصرفوا وجوه الناس إليهم فحسب ، بل بالقدرة على إحيائهم واستنبات البصيرة في عقولهم ؛ فمن تبعهم تبعهم بحجة وبرهان ، ولذا فإن الواجب على هؤلاء المصلحين أن يرسخوا ضرورة ارتباط الناس بالمنهج الصحيح وليس بذواتهم .
سادسًا: وضوح الرؤية:
تتم مخاطبة الجماهير عند بعض المصلحين بطريقة تلقائية رتيبة ؛ حيث لا توجد لديهم رؤية واضحة ، ولا يدرون خلالها ما الأهداف ذات المدى البعيد التي يريدون الوصول إليها ؛ وقد ترى أن كثيرًا من طروحاتهم الفكرية والدعوية مبنية على خواطر مشتتة تطرأ على أذهانهم من هنا أو هناك ، بل تلمس أحيانًا أن بعضهم لا يعطي لنفسه فرصة التفكير في برنامجه العملي ، ولهذا تراه يجتر كثيرًا من أقواله وأقوال غيره بدون بصيرة !
إن وضوح الأهداف يعين كثيرًا في الاعتبار بالماضي واستبصار الحاضر واستشراف المستقبل ، ويدفع المرء إلى رسم أطر واضحة يعرف فيها بدقة: ما الموضوعات التي سوف يتحدث عنها ؟ ! وما القواعد التي يريد بناءها ؟ ! وما الأمراض الفكرية والمنهجية التي يقصد معالجتها ؟ ! وما أنسب السبل لتحقيق ذلك ؟ ويعرف في ذلك الأولويات التي ينبغي البدء بها ، ويحدد طريقة المعالجة ، ونحو ذلك مما يعدّ من البدهيات المنهجية التي لا غنى عنها .
سابعًا: تلمس احتياجات المخاطبين:
احتياجات الناس المنهجية والفكرية والعملية كثيرة جدًا ، ويتميز المصلح الجاد بقدرته على تلمس احتياجات الناس ، وكم من الأشخاص الذين اعتادوا على مخاطبة الجماهير تراهم يشرِّقون ويغرِّبون ، ويتحدثون عن أشياء كثيرة ، لكنهم بعيدون عن نبض الشارع واهتمامات الناس .
ومعلوم بأن المستمع قد يقترب من المتحدث كثيرًا ، ويألفه في بداية أمره ، لكنه يبتعد عنه شيئًا فشيئًا إذا فقد المادة الأصيلة المتجددة التي تشبع حاجاته وطموحاته ، ولا شك بأن الذي يشدُّ الجمهور ويوثق صلتهم بالمتحدث هو شعورهم بالحيوية والتجدد ، وهذا فيما أحسب أحد المعايير الرئيسة للاستمرارية والبقاء .
ثامنًا: الحذر من الاكتفاء بالخطاب العاطفي:
يغلب على كثير ممَّن يعتني بمخاطبة الجماهير اعتماد الخطاب العاطفي الذي يُبنى على استثارة المشاعر ، ولا شك بأن هذا مطلوب ولا غنى للناس عنه ، ولكنه وحده لا يكفي على الإطلاق ، بل إن الاكتفاء به وحده قد يؤدي إلى خلل في البناء . نعم قد تجمِّع العاطفة أناسًا كثيرين ، ولكنها وحدها لا تحيي أمة ، ولا تبني رجالًا ، ولا تجعلهم يثبتون أمام الأعاصير والفتن .
كثيرون أولئك الخطباء والمصلحون الذين يستطيعون تجميع الناس واستثارة عواطفهم ، ولكنَّ القلة القليلة منهم هي القادرة على إعادة بنائهم وتشكيل عقولهم وصناعتهم من جديد . وإنَّ من أكبر التحديات التي تواجه دعاة الإصلاح: هي القدرة على توظيف الطاقات ، واستثمارها في البناء والعطاء ، وكم هي الطاقات المهدرة التي طالما استهلكت في التصفيق والصراخ والهتافات الساخنة أو الباردة !
ولذا كان ممَّا ينبغي على دعاة الإصلاح إدراكه أنَّ من واجبهم التأثير الفكري والمنهجي على الجماهير ، ورفع مستواهم الثقافي ، وإحياء الوعي في صفوفهم ، وتربيتهم تربية راسخة عميقة ، والانتقال بهم من مرحلة تكثير السواد إلى مرحلة العطاء والوعي الإنتاجي .