أيها الأحبة، إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدًا.
فليتك تحلو والحياة مريرة ... ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... ... وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود يا غاية المنى ... ... فكل الذي فوق التراب تراب
فسبحانه من خالق عظيم، جواد كريم، الكرم صفة من صفاته، والجود من أعظم سماته، والعطاء من أجل هباته، فمن أعظم منه جودًا؟ الخلائق له عاصون وهو لهم مراقب، يكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوه، ويتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا، يجود بالفضل على العاصي، ويتفضل على المسيء، من ذا الذي دعاه فلم يستجب له؟ أم من ذا الذي سأله فلم يعطه؟ أم من ذا الذي أناخ ببابه فنحاه؟ فهو ذو الفضل ومنه الفضل، وهو الجواد ومنه الجود، وهو الكريم سبحانه ومنه الكرم.
(( قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) )لزمر:53
عباد الله
مَن استيقَن قلبه هذه المعانيَ لا يرهَب غيرَ الله، ولا يخاف سِواه، ولا يرجو غيرَه، ولا يتحاكم إلاّ له، ولا يذلّ إلا لعظمتِه، ولا يحبّ غيرَه.
أمّا الذين يهجرون القرآنَ, ويرتكبون المحرمّات, ويفرّطون في الطاعات، أمّا الذين يتحاكمون إلى شرع غيرِ الله، ما قدروا الله حق قدره. الذين يسخرون من الدّين، ويحاربون أولياء الله, ويستهزئون بسنّة سيّد البشر, ما قدروا الله حقَّ قدره.
من شهِد قلبُه عظمةَ الله وكبرياءَه علِم شأنَ تحذيره جلّ وعلا في قوله: (( وَيُحَذّرْكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) )آل عمران:28، قال المفسرون:"أي: فخافوه واخشَوه".
ولأجل شهودِ صفاتِ عظمتِه سبحانه وجِلت قلوب المؤمنين لمجرّد ذكره تعالى كما قال سبحانه: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) )الأنفال:2 ويقول سبحانه: (( وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) )الحج:34، 35.
هذه ـ عبادَ الله ـ بعضُ عظمتِه سبحانه مما تتحمّله العقول، وإلاّ فعظمة الله وجلاله أجلّ من أن يحيطَ بها عقل، فمَن هذا بعضُ عظمته كيفَ يجعل في رتبتِه مخلوق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟! والذين لا يقدّرون اللهَ حقَّ قدره, ولا يعظّمونه حقَّ عظمته, تصاب نفوسهم بالوهَن, وتمتلئ قلوبهم برهبةِ البشر والهزيمة النفسيّة التي تظلّ تلاحقهم مهما أوتوا من قوّة ونالوا من عدّةٍ وعدد. والهزيمة النفسيّة هي من أنكى الهزائم وأشدِّها خطرًا على مستقبَل الأمة, قال تعالى: (( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) )آل عمران:139
عباد الله
إنّ امتلاءَ القلب بعظمة الله يولّد ثقةً مطلقة بالله، ويجعل المسلمَ هاديَ البالِ ساكنَ النفس مهما ادلهمّت الخطوب. إنّ استشعارَ عظمة الله تملأ القلب رضًا وصبرًا جميلًا، فلا يحزنُنا تقلّّّب الذين كفروا في البلاد، فإنهم مهما علوا وتجبّروا لن يصِلوا إلى مطامعهم، ولن يحقّقوا أهدافهم الدّنيئة، فالله هو القويّ الذي لا يغلب. لقد بلغ فرعون ما بلغ من طغيان، (( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءهُمْ ) )القصص:4فماذا كانت نتيجة الطغيان؟! (( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِى الْيَمّ وَهُوَ مُلِيمٌ ) )الذاريات:40
إنّ معرفتَنا بعظمةِ الله تورث القلبَ الشعورَ الحيّ بمعيّته سبحانه، التي تُفيض السكينةَ في المحن والبَصيرة في الفتن، فعندما لجأ رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى الغار, واقترب الأعداء حتى كانوا قابَ قوسين أو أدنى, شاهرين سيوفَهم، قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو أنّ أحدَهم رفع قدَمه رآنا، فردّ عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم بكلّ ثِقة: (( ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟! ) )
إنّ استشعارَ عظمةِ الله ومعيّته تبعَث في النفس معنى الثبات والعزّة, وتقوّي العزائم حتى في أشدّ حالات الضّنك، وقد كانت هذه الحقائق جليّة عند الصحابة حتى مع الحصار الاقتصاديّ والاجتماعيّ في شِعب أبي طالب، ولم تمضِ سِوى أعوام حتى فتَح الله على أبي بكر وعمر وغيرهم أعظمَ الانتصارات.