فهرس الكتاب
وقال صلى الله عليه وسلم (( ومال عبد مؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ) ).
وتلك الأمة السوداء التي جاءت تشتكي للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف فادعُ الله لي، قال: (( إن شئتِ صبرتي ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيكِ ) )فقالت: أصبر ولكن ادع الله لي ألا أتكشف. فدعا لها فكانت تصرع ولا تتكشف. متفق عليه
عباد الله إذا اردنا ان نصبر على البلاء فعلينا أولًا ان نلاحظ حسن الجزاء ونلمح الغايات ونطالع العواقب فإنه على قدر التعب تكون الراحة
وثانيًا إنتظار الفرج مهما ضاقت الامور فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا
ثالثا ليعلم كل مبتلى ان غيره من الناس من ابتلي باكثر مما هو عليه
وهاهو عروة بن الزبير من أفاضل التابعين وأخيار التابعين، كان له ولد اسمه محمد من أحسن الناس وجهًا، دخل على الوليد في ثياب جميلة فقال الوليد:هكذا تكون فتيان قريش، ولا دعا بالبركة فقالوا أنه أصابه بالعين،خرج هذا محمد بن عروة بن الزبير من المجلس فوقع في اصطبل للدواب فلا زالت الدواب تطأه حتى مات، ثم مباشرة وقعت الآكلة في رجل عروة وقالوا لابد من نشرها بالمنشار وقطعها حتى لا تسري لأماكن الجسد فيهلك، فنشروها فلما وصل المنشار إلى القصبة (وسط الساق) وضع رأسه على الوسادة فغشي عليه ثم أفاق والعرق يتحدّر من وجهه وهو يهلل ويكبّر ويذكر الله، فأخذها وجعل يقلبها ويقبلها في يده وقال: (( أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أنني ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي الله ) )، ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت وأمر بها أن تقدم إلى المقبرة، لما جاء من السفر بعد أن بترت رجله وفقد ولده قال لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا ، ولما قالوا: نسقيك شيئًا يزيل عقلك؟قال: إنما ابتلاني ليرى صبري، ورفض.
وهاهو أبوقلابة التابعي الجليل ممن ابتلي في بدنه ودينه،وأريدعلى القضاء وهرب إلى الشام فمات بعريضة وقد ذهبت يداه ورجلاه وبصره وهو مع ذلك حامد شاكروعندما سئل على ماذا تحمد فقال الم يعطني لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وبدنا على البلاء صابرًا.
أسال ان يجعلني واياكم من الصابرين والشاكرين
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبه الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.وبعد
والنوع الثاني من انواع الصبر الصبرعن المعصية فهو من اعظم انواع الصبر ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلمسبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله يوم صبروا فالامام صبر عن الظلم والشاب صبر عن الفاحشة والغني عن تناول اللذات والشهوات وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة من بعضه وصبر المتحابين في الله على ذلك الحال في حال إجتماعهما وافتراقهما وصبر الباكي من خشية الله على كتمان ذلك عن الناس
ولهذا كان الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف عليه السلام فقد كان شابًا وعازبا وغريبا عن اهله ومملوكا ليس كالحر والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته وهي الداعية له الى نفسها والحريصة على ذلك ومع كل هذه الدواعي فقد صبر إختيارا وإيثارا لما عند الله وما هم بالمعصية نهائيا فلله ما اعلى همته
والصبر عن المعصية يختاج الى الحياء من الله وتذكر الوقوف بين يديه .
أما النوع الثالث من انواع الصبر فهو الصبر على طاعة الله فهو الصبر الاعلى
فهذا نوحٌ عليه السلام صبر في دعوته لقومه صبرًا عظيمًا دام ألف سنة إلا خمسين عامًا جاهد ودعوة، وصبر على الإيذاء والسخرية، اتهموه بالجنون والسحر والضلال وهو يقابل ذلك بالصبر حتى قالوا: {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} ، وصبر..
إبراهيم تعرض لمحنة عظيمة ويصبر صبر الموحد الموقن بوعد الله، حتى لما ألقي في النار قال: {حسبي الله ونعم الوكيل} ، حتى لما أُمِر بذبح ولده صبر وهمّ بذبح الولد ، وأخذ السكين وأضطجع الولد استسلامًا لأمر الله، والله ابتلاه بهذا الأمر فصبر.
وموسى واجه التهديد والإيذاء من قومه وقوم فرعون قبلهم، فصبر على دعوة قومين!.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال لما تذكرأخيه موسى: { يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر} رواه البخاري
إبراهيم لما أُمِر بترك ولده وهو حديث عهد ولادة ، وقد كان عقيمًا ، جاءه اسماعيل بعد سنوات طويلة جدًا وهو شيخ كبير، وجاءه الأمر من الله اتركه وأمه في وادٍ غير ذي زرع!، مانال الخليل هذه المرتبة من شيء قليل، فمضى ولم يلتفت ولم يتحسر ولم يتردد ، حتى قالت هاجر: لمن تتركنا؟آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فرجع للشام ورزقه الله من سارة بإسحاق ومن ورائه يعقوب.
وعيسى عانى من بني إسرائيل من التهم الباطلة، تآمروا على قتله وصلبه وصبر حتى رفعه الله إليه.