فهرس الكتاب
فقد كان صلى الله عليه وسلم عابدًا متحنثًا ، وقائدًا فذًا ، شيَّد أمَّةً من الفُتات المتناثر ، ورجل حرب يضع الخطط ، ويقود الجيوش ، وأبًا عطوفًا ، وزوجًا ، تحققت فيه المودة ، والرحمة ، والسكن ، وصديقًا حميمًا ، وقريبًا كريمًا ، وجارًا تشغله هموم جيرانه ، وحاكمًا تملأ نفسه مشاعر محكوميه يمنحهم من مودته ، وعطفه ما يجعلهم يفتدونه بأنفسهم ، ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها الأرض ، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل ، وتغلغلت في كيانه كله ، ورأى الناس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تتمثل فيه هذه الصفات الكريمة كلها ، فصدقوا تلك المبادئ التي جاء بها كلها ، ورأوها متمثلة فيه ، ولم يقرؤوها في كتاب جامد ، بل رأوها في بشر متحرك ، فتحركت لها نفوسهم ، وهفت لها مشاعرهم ، وحاولوا أن يقتبسوا قبسات من الرسول الكريم ، كلٍّ بقدر ما يُطيق فكان أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل ، وكان هاديًا ومربيًا بسلوكه الشخصي ، قبل أن يكون بالكلم الطيب الذي ينطق به . (مقومات الداعية الناجح-بادحدح)
ولأن القدوة هي أعظم وسائل التربية ذلك ، لأن دعوة المترف إلى التقشف دعوة ساقطة ، ودعوة الكذوب إلى الصدق دعوة مضحكة ودعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة مخجلة ، لذلك كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله ، وفضائله ، ومكارمه قدوةً صالحة ، وأسوة حسنة ، ومثلًا يُحتذى ، وهي ليست للإعجاب السلبي ، ولا للتأمل التجريدي ، ولكنها وُجدت فيه لنحققها في ذوات أنفسنا ، كل بقدر ما يستطيع .
وقد ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ أن (( يا معاذ أوصيك بتقوى الله ، وصدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، وحفظ الجار ، ورحمة اليتيم ، ولين الكلام ، وبذل السلام ، وحسن العمل ، وقصر الأمل ، ولزوم الإيمان ، والتفقه في القرآن ، وحب الآخرة والجزع من الحساب ، وخفض الجناح ، وأنهاك أن تَسُبَّ حكيمًا ، أو تكذب صادقًا ، أو تُطيع آثمًا ، أو تعصي إمامًا عادلًا ، أو تُفسد أرضًا .. وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر ، وشجر ، ومدر ، وأن تُحدث لكل ذنب توبة ، السر بالسر ، والعلانية بالعلانية ) ).أخرجه البيهقي في كتاب الزهد
يستطيع الإنسان أن يكون عالمًا جهبذًا في الطب ، أو العلوم ، أو الهندسة من دون أن تتطلب هذه العلوم ممن يتعلمها قيدًا سلوكيًا ، ولا يُفسد حقائقها أن يتبع النابغ فيها هوى نفسه ، في حياته الخاصة ، إلا علم الدين ، فإنك إن كنت من المتدينين المخلصين ، أو من علمائه أو الداعين إليه ، فلا بد أن تكون قدوة حسنة لمن تدعوهم إليه ، وإلا ما استمع إليك أحد ، ولو كنت أكثر الناس اطلاعًا وعلمًا في دين الله ، ولن ينظر إليك أحد نظرة احترام جديرة بك ، إلا إذا كان سلوكك وفقًا لقواعد الدين .
قال ملك عمان ، وقد التقى النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما دلني على هذا النبي الأمي ، إلا أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا يبطر ، ويُغلب فلا يضجر ، ويفي بالعهد وينجز الوعد .
قال أحد كُتاب السيرة الغربيين الذين أسلموا:"كان محمد ملكًا ، وسياسيًا ، ومحاربًا ، وقائدًا، ومشرِّعًا ، وقاضيًا ، وفاتحًا ، ومهاجرًا ، مارس بالفعل جميع المبادئ التي كان يلقنها للناس ، ولن تجد في القرآن حُكمًا أو أمرًا لم يعمل به النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه بالقول ، فالمرء مثلًا لن يكون عفوًا ، إلا أن يكون له عدو يلقى منه أشد الإساءة ، ثم تدور الدائرة على هذا العدو فيقع في قبضته ، ويصبح تحت رحمته ، ثم يملك القدرة على الانتقام منه ، ثم يعفو عنه .. ثم يقول الكاتب:"تأمل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخول الظافر المنتصر ، وقد خرَّت جزيرة العرب صريعة تحت قدميه ، وأصبحت مكة قلعة العدو تحت رحمته ، فلو شاء لقطع رؤوس القوم ، الذين كانوا بالأمس ألد أعدائه ، الذين اتخذوه هزوًا ، وأمعنوا في اضطهاده والاستخفاف به ، ولو أنه عاقبهم بذنبهم لكان مُحقاّ ، ولم يكن ملومًا ، ولم تظهر فضيلة العفو قط بصورتها الكاملة في تاريخ أي دين من الأديان حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم ولولاه لظلت هذه الفضيلة معطلة إلى الأبد"."
الخطيب القدوة هو الذي يعامل الناس ويدعوهم بالقول والعمل فيصبح مؤثرًاأشد التأثير تلتف حوله القلوب وتحوم حوله الافئدة وفي صورة مثيرة رهيبة ومخيفة يبين فيها النبي صلى الله عليه وسلم حال من خالف عمله قوله فيقول (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع عليه أهل النار ويقولون يا فلان الم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول نعم كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه ) رواه البخاري