فهرس الكتاب
فيا أيها الإنسان: لمَّا خلق الله الخلق لغاية كان لابد أن يرسل إليهم رسلًا وأنبياء ،لابد من نزول الوحي ،ولابد من تفصيل الشرائع والأحكام!! وكيف يعلم الإنسان هذه الأمور؟ إنه عدم محض ،ليس شيء ولا شيء ولا فيه ولا منه شيء ،لهذا قال الله: (( نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا ) )جعل له السمع والبصر حتى يهتدي بهما حتى يعبد الله بهما لا يعبد الشيطان والهوى بهما ،فمن الناس من سخر هذه الأدوات: السمع والبصر ، الأيدي والأرجل ،التفكير والعقل ،الأحساسيس والمشاعر ،منهم من سخرها لعبادة هواه لا لعبادة الله ،فلا يقرأ القرآن ،وتجده يتلو قرآن الشيطان الغناء ،ولا ينظر في المصحف ببصره ،وينظر في الحرام ببصره ،ولا يسمع الهدى وكلام الرحمن ويسمع مزمار الشيطان ،فيا أيها الإنسان: أنت أنت يا من تسمع وتبصر ،في ماذا تستخدم سمعك وبصرك في يومك وليلتك. هل انتبهت لماذا أعطاك الله السمع والبصر ،هل عبدت هواك بهما أم عبدت الله بهما. فيا أيها الإنسان: الذي حرم الآخرين من السمع والبصر أليس هو قادرًا أن يحرمك أنت أيضًا وتحاربه فاتق الله يا عبد الله.
ثم يقول سبحانه عن هذا الإنسان: (( إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كافورًا ) )هديناه هداية الدلالة والارتقاء والتبيين ،وضح له من حيث هو إنسان ،فلم يمنع الله الإنسان من الهداية:هداية الدلالة والتبيين والتوضيح ،وضح له السبيل ،وطريق الجنة والنار. (( إنا هديناه السبيل ) )إما شقي وإما سعيد ،إما شكور وإما كفور ،فقال صلى الله عليه وسلم: (( كل الناس يغدو ،فبايع نفسه فموبقها أو معتقها ) )كل الناس - وأنت منهم - أيها الإنسان يغدو في دنياه يحيى ويعيش ويتمتع ويلهو ،يغدون ويروحون ولكن هم قسمين:فبايع نفسه فموبقها، يعني مهلكها بأن يختار الضلال على الهدى ،وقسم يغدو ولكن: يعتق نفسه ،يعتق نفسه من عبادة هواه ويعبدها لله ،ويختار الهدى على الضلال ،فهو يرى الرسل قد أرسلت ،والجنة والنار قد خلقت ،والجحيم سعرت، والجنة أزلفت والناس درجات في الجنة أو دركات في النار ،فيتأمل في غدوه ورواحه فلا يختار إلاّ الهدى والإيمان.
أيها الإنسان: وبعد هذه اللفتات في أول السورة ،يبدأ في بيان أحوال الشاكرين المؤمنين من الناس ،ويبين أحوال الكافرين الضالين. ويبين الله ما لكل فريق من الناس من الجزاء ،ومن النعيم أو العذاب ،فهم ما بين درجات الفردوس الأعلى ،ودركات في النار السفلى. يقول بعد ذلك سبحانه: (( إنا أعتدنا(أي أعددنا) للكافرين سلاسلا وأغلالًا وسعيرًا ))وبعد هذا يذكر حال ذلك الإنسان الذي آمن واهتدى وأعتق نفسه من رق العبودية لغير الله فيقول سبحانه:
(( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا عينًا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرًا يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا متكئين فيها على الآرائك لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلًا ويطاف عليه بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرًا قوارير من فضة قدروها تقديرًا ويسقون فيها كأسًا كان مزاجها زنجبيلًا عينًا فيها تسمى سلسبيلًا ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا وإذا رأيت ثَمّ رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا إنَّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورًا ) ).
شتان بين مصير ذلك الإنسان الذي اختار الضلال وبين ذلك الإنسان الذي اختار الهدى ،شتان بين من اتبع الهوى وختم الله على قلبه وسمعه وبصره وبين من كان على نور من ربه ،بربه يسمع وبه يبصر ،وإليه يسعى ويحفد يرجو رحمته ويخشى عذابه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول قولي هذا, وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على احسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه واشهد ان لا اله الا الله تعضيما لشانه واشهد ان محمد عبده ورسوله الداعي الى رضوانه وعلى اله واصحابه وجميع اخوانه
وبعد