الصفحة 365 من 733

عن أنس بن نضر الأشجعي قال: استقت أم ابن مسعود رضي الله عنها ماءً في بعض الليالي، فجاءها بالماء فوجدها قد ذهب بها النوم، فثبت عند رأسها حتى أصبح، ولما قدم أبو موسى الأشعري وأبو عامر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعاه وأسلما، قال لهم عليه الصلاة والسلام: (( ما فعلت امرأة منكم تدعى كذا وكذا؟ ) )قالوا: تركناها في أهلها، قال: (( فإنه قد غفِر لها ) )قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: (( ببرها والدتها ) )قال: (( كانت لها أم عجوز كبيرة، فجاءهم النذير: إن العدوّ يريد أن يغير عليكم، فجعلت تحمل أمها على ظهرها، فإذا أعيت وضعتها، ثم ألزقت بطنها ببعض أمها وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت ) )أخرجه عبد الرزاق في مصنفه.

إنها الأم، يا من تريد النجاة، الزم رجليها، فثمّ الجنة، قال ابن عمر رضي الله عنهما لرجل: (أتخاف النار أن تدخلها، وتحب الجنة أن تدخلها؟) قال: نعم، قال: (برّ أمك، فوالله لئن ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات) ، يعني: الموبقات.

إن البر دأب الصالحين وسيرة العارفين، أراد ابن الحسن التميمي قتلَ عقرب فدخلت في جحر، فأدخلها أصابعه خلفها فلدغته، فقيل له في ذلك، قال:"خفت أن تخرج فتجيء إلى أمي وتلدغها".

قال محمد بن سيرين:"بلغت النخلة على عهد عثمان رضي الله عنه ألف درهم، فعمد أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى نخلة فاشتراها، فنقرها وأخرج جمّارها، فأطعمها أمه، فقالوا له: ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟! قال: إن أمي سألتني ولا تسألني شيئًا أقدر عليه إلا أعطيتها".

عبد الله بن عون نادته أمه فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين، وزين العابدين كان أبر الناس بأمه، وكان لا يأكل معها في صحفة واحدة، فقيل له: إنك أبرّ الناس ولسنا نراك تأكل معها في صحفة واحدة؟! فقال:"أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها، ولقد مضى بين أيدينا أقوام لا يعلو أحدهم بيته وأمه أسفله".

إنها الجنة، يا طالب الجنة، الزم قدميها فثمّ الجنة.

روى الترمذي وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه ) ).

وفي صحيح الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( رضا الرب من رضا الوالد، وسخطه الرب من سخط الوالد ) ).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما من مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسبًا إلا فتح الله بابين ـ يعني من الجنة ـ وإن كان واحدًا فواحد، وإن أغضب أحدهما لم يرضى الله عنه حتى يرضى عنه) ، قيل: وإن ظلما؟ قال: (وإن ظلما) .

لأمك حق لو علمتَ كبير ... ... كثيرك يا هذا لديه يسير

فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي ... لها من جواها آنّة وزفير

وفي الوضع لا تدري عليها مشقة ... فمن غصص منها الفؤاد يطير

وكم غسّلت عنك الأذى بيمينها وما حجرها إلا لديك سرير

وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها ... حنوا وإشفاقًا وأنت صغير

فضيعتها لما أسئت جهالة ... ... وطال عليك الأمر وهو قصير

فآهالذي عقل ويتبع الهوى ... ... وآهًا لأعمى القلب وهو بصير

فدونك فارغب في عميم دعائها ... ... فأنت لما تدعو إليه فقير

رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلًا يمانيًا يطوف بالبيت حمل أمه وراءه على ظهره، يقول: إني لها بعيرها المدلَّل، إن أذعِرت ركابها لم أذعر، الله ربي ذو الجلال الأكبر، حملتها أكثر مما حملتني، فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟! قال ابن عمر: (لا، ولا بزفرة واحدة) .

الى الذين يفضلون ازواجهم على امهاتهم

الى الذين يعطون ازواجهم ويمنعون امهاتهم

فلا تطع زوجةً في قطع والدة عليك يا ابن أخي قد أفنت العمرا

فكيف تنكر أمًا ثقلَك احتملت وقد تمرغت في أحشائها عسرا

وعالجت بك أوجاع النفاس وكم سرت لما ولدت مولودها ذكرا

وأرضعتك إلى الحولين مكملة في حجرها تستقي من ثديه الدررا

ومنك ينجسها ما أنت راضعه منها ولا تشتكي نتنا ولا قذرا

و"قل هو الله"بالآلاف تقرؤها خوفًا عليك وترخي دونك السُتُرا

وعاملتك بإحسان وتربية حتى استويت وحتى صرت كيف ترى

فلا تفضل عليها زوجة أبدًا ولا تدع قلبها بالقهر منكسرًا

والوالد الأصل لا تنكر لتربية واحفظه لا سيما إن أدرك الكبرا

فما تؤدي له حقا عليك ولو على عيونك حج البيت واعتمرا

معاشر المؤمنين، كم ساعات قضى فيها المسلم للوالدين حاجات، غفر الله عز وجل بها الذنوب والزلات، وخرج بها الهموم والكربات، كم ولد بار أو فتاة بارة قاما من عند والديهما بعد سلام أو طيب كلام أو هدية متواضعة وقد فتحت أبواب السماء بدعوات مستجابات لهما من والديهما الضعيفين الكبيرين.

فاتقوا الله في الوالدين، سيما إذا بلغا من الكبر والسنّ ما بلغا، ووهن العظم منهما واشتعل الرأس شيبًا، إذا بلغت بهما الحال ما بلغت وأصبحا ينظران إليك نظر الذي ينتظر لقمة هنية أو أعطية جزية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت