الصفحة 495 من 733

وغاية الإسلام أن يقيم مجتمعًا فاضلًا، تنعدم فيه مظاهر الإثم والجريمة وأسباب الفحش والمنكر، بحيث يغدو هذا المجتمع نظيفًا من كل ما يدعو إلى الوقاحة والدناءة والفجور.

ولقد كافح الإسلام طويلًا، في سبيل إقامة هذا المجتمع الطاهر، وجعل الحياء أساسه وعماده.

فخلق الحياء، هو رأس الفضائل الخلقية، وعماد الشعب الإيمانية، وبه يتم الدين، وتصلح الحياة، وتسود الفضيلة، وتنعدم أسباب الرذيلة.

والحياء عنوان الإسلام، ودليل الإيمان، ورائد الإنسان إلى الخير والهدى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { الحياء لا يأتي إلا بخير} (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام: { الحياء شعبة من الإيمان ولا إيمان لمن لا حياء له} (2) .

فإذا تخلق الإنسان بخلق الحياء، كان ذلك دليلًا على حسن أدبه وسلوكه وصلاح ظاهره، ونقاء سريرته، وكمال إيمانه.

وحينما يفقد الإنسان خلق الحياء، يكون قد حُرِم خيرًا كثيرًا، وخسر خسرانًا مبينًا.

والحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كبهيمة الحيوان.

فالحياء أداة مانعة من ارتكاب المعاصي، حائلة بين المرء وبين فعل ما لا يليق من القبيح، وإن كان صغيرًا، فهو أصل لكل فضيلة وخير، وعصمة من كل رذيلة وشر.

لهذا كله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء} (3) . وروي عن قرة بن إياس - رضي الله عنه - قال: { كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر عنده الحياء فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"بل هو الدين كله} ، وذلك لأنه يؤدي إلى الأخلاق الكاملة، والأعمال الفاضلة."

ولقد { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد حياء من العذراء في خدرها وإذا رأى شيئًا يكرهه عرف في وجهه} (4) لما يبدو عليه من أثر الحياء والخجل، وكان أرق الناس طبعًا، وأنبلهم سيرة وأعمقهم شعورًا بالواجب ونفورًا من المثالب وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه { دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجده يبكي قال: ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال:"أخبرني جبريل عليه السلام، أن الله يستحي من عبد يشيب في الإسلام أن يعذبه، أفلا يستحي العبد أن يذنب وقد شاب في الإسلام} ."

إن هذا الحديث ينطبق على أولئك الذين شابت رؤوسهم وأصبحوا على حافة قبرهم وهم في غفلتهم ساهون، وعلى الدنيا مقبلون، ولجمع المال عاكفون، لا يذكرون الله حقًا، ولا يصلون فرضًا، ولا يؤدون زكاة، ولا يحجون بيتًا، ولا يتعففون عن منكر فما أقل حياء هؤلاء القوم وما أشد غرورهم وما أعظم غفلتهم.

أيها المسلمون: إذا نظرنا في واقع الحياة اليوم وجدنا الحياء معدومًا إلا من رحم ربك، فلقد رفع الحياء من وجوه الرجال والنساء على حد سواء فامتلأت الأرض آثامًا وشرورًا، ومنكرات وفجورًا. ورأينا المخازي والفضائح ترتكب بلا تورع ولا خجل، ولا خوف من الله ولا وجل.

ورأينا النساء يخرجن شبه عاريات، لم يتركن وسيلة شيطانية، للإغواء والفتنة إلا اتخذنها، حتى غدت كل واحدة منهن في الشارع والمجتمعات والحفلات كأنها عروس ليلة زفافها.

أما أشباه الرجال، فهم من الوقاحة وموت الشرف والغيرة، ما جعلهم أضل من البهائم وهؤلاء لا شك أن قلوبهم ونفوسهم قد مسخت قردة وخنازير، وإن كانت أجسامهم في صورة بني آدم.

إذا ذهب الحياء ذهب الدين كله، وإذا ذهب الدين والحياء، انطلق الناس كالدواب الشاردة، لا يبحثون إلا عن شهوات بطونهم وفروجهم ويستبيحون في سبيل ذلك كل حرمة وخلق ومبدأ وشرع.

عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: { خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"استحيوا من الله حق الحياء"، قلنا يا رسول الله: كلنا نستحي والحمد لله.. قال:"ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء} (5) ."

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية في حياء المجتمع المسلم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:

(1) البخاري الأدب (5766) ، مسلم الإيمان (37) ، أبو داود الأدب (4796) ، أحمد (4/427) .

(2) البخاري الأدب (5767) ، مسلم الإيمان (36) ، الترمذي الإيمان (2615) ، النسائي الإيمان وشرائعه (5033) ، أبو داود الأدب (4795) ، ابن ماجه المقدمة (58) ، أحمد (2/147) ، مالك الجامع (1679) .

(3) ابن ماجه الزهد (4181) .

(4) البخاري المناقب (3369) ، مسلم الفضائل (2320) ، ابن ماجه الزهد (4180) ، أحمد (3/71) .

(5) الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2458) ، أحمد (1/387) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت