فهرس الكتاب
إن الرشوة تكون في الوظائف والمسابقة فيها فيقدم من أجلها من لا ينجح أو تعطى له أسئلة المسابقة قبل الامتحان فيولى الوظيفة مَن غيره أحق منه، وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: { من استعمل رجلًا من عصابة - أي طائفة - وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين} ، رواه الحاكم وصحح إسناده. وإن الرشوة تكون في تنفيذ المشاريع ينزل مشروع عمل في المناقصة فيبذل أحد المتقدمين رشوة فيرسو المشروع عليه مع أن غيره أنصح قصدًا وأتقن عملًا ولكن الرشوة عملت عملها. وأن الرشوة تكون في التحقيقات الجنائية أو الحوادث أو غيرها فيتساهل المحققون في التحقيق من أجل الرشوة وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: { من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول} (1) ، رواه أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه. والغلول إثمه عظيم فقد { جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال استشهد مولاك أو قال غلامك فلان قال بل يجر إلى النار في عباءة غلها} (2) ، رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وأغرب من ذلك أن تدخل الرشوة في التعليم والثقافة فينجح من أجلها من لا يستحق النجاح أو تقدم له أسئلة الامتحان أو يشار إلى أماكنها من المقررات أو يتساهل المراقب في مراقبة الطالب من أجلها فيتقدم هذا الطالب مع ضعف مستواه ويتأخر من هو أحق منه لقوة مستواه العلمي.
عباد الله: لقد سمعتم عقوبة الراشي والمرتشي في الآخرة وهي اللعن والطرد عن رحمة الله وسمعتم شيئًا من مفاسدها في المجتمع ألا يكون في ذلك رادع عنها لكل مؤمن يخشى الله ويخاف عقابه ولكل مخلص يحافظ على دينه ومجتمعه كيف يرضى أن يعرض نفسه لعقوبة الله، كيف يرضى أن يذهب دينه وأمانته من أجل حطام الدنيا لا يدري لعله لا يأكله فيموت قبل أن ينعم به كيف يليق بالعاقل أن يسعى في فساد المجتمع وهلاكه. إن الأعمال أيها المسلمون دروس يأخذها الناس بعضهم من بعض فإذا فشت الرشوة في جهة من جهاته انتشرت في بقية الجهات وصار من عمل بها مقتديًا به إلى يوم القيامة.
فاتقوا الله عباد الله وحافظوا على دينكم وأمانتكم وفكروا قليلًا أي خير لكم أن تكونوا قائمين بالعدل بعيدين عن الدناءة حائزين لرضاء الله ومثوبته أم تكونوا جائرين مُخْلِدين إلى الأرض متعرضين لسخط الله وعقوبته.
(1) أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2943) .
(2) أحمد (5/33) .