الصفحة 514 من 733

ولما كانت النفوس الشريرة والنزعات الخاطئة والأعمال السيئة لا بد لها من رادع يكبح جماحها ويخفف من حدتها شرع رب العباد وهو الحكيم العليم الرءوف الرحيم حدودًا وعقوبات متنوعة بحسب الجرائم لتردع المعتدي وتصلح الفاسد وتقيم المعوج وتكفر عن المجرم جريمته إذ لا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة فأوجب إقامة الحدود لمرتكبي الجرائم كل بحسب جريمته: فالسارق تقطع يده لأنه يسرق بها غالبًا، وقطاع الطريق إذا قَتَلُوا قُتِلُوا وإن أخذوا المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لأنهم يستعينون على قطع الطريق بأرجلهم وأيديهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف نكالا وجزاء من جنس عملهم، وقاذف المحصنات والمحصنين يجلد ثمانين جلدة حتى لا تنتهك الأعراض، وشارب الخمر عقوبته يحصل بها الردع عند تناول هذا الشرب الذي وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه أم الخبائث ومفتاح كل شر. أما جريمة فساد الأخلاق وانهيار المجتمع تلك الجريمة التي تكمن في فعل الزنا واللواط فإنها جريمة عظيمة رتب الشارع عليها عقوبة أكبر فالزاني الذي يطأ فرجا حراما إما أن يكون محصنا وإما أن يكون غير محصن فالمحصن هو البالغ العاقل الذي تزوج امرأة ووطئها بنكاح صحيح فإذا زنى فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين إذا كان مسلمًا، وأما غير المحصن وهو من لم يتزوج على الوصف الذي ذكرنا فإنه إذا زنى جلد مائة جلدة ويسفر عن البلد سنة كاملة.

أيها المسلمون: وإذا كان الزنا بالفرج موجبًا لهذه العقوبة فإنّ هنا زنا آخر دون ذلك يوجب الإثم والعقوبة الأخروية وربما كان سببًا في الوقوع في الزنا الأكبر ألا وهو زنا الجوارح الأخرى وهو ما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: { العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرِّجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى} (1) .

أما اللواط وهو وطء الذكر الذكر، فذلك الفاحشة الكبرى والجريمة النكراء، إنه مفسدة الدنيا والدين، إنه هدم للأخلاق ومحق للرجولة، إنه فساد للمجتمع وقتل للمعنويات، إنه ذهاب للضر والبركات وجالب للشرور والمصيبات، إنه معول خراب ودمار وسبب للذل والخزي والعار، والعقول تنكره، والفطر السليمة ترفضه، والشرائع السماوية تزجر عنه وتمقته، ذلكم بأن اللواط ضرر عظيم وظلم فاحش فهو ظلم للفاعل بما جر إلى نفسه من الخزي والعار وقادها إلى ما فيه الموت والدمار، وهو ظلم للمفعول به حيث هتك نفسه وأهانها ورضي لها بالسفول والانحطاط ومحق رجولتها، فكان بين الرجال بمنزلة النساء لا تزول ظلمة الذل من وجهه حتى يموت، وهو ظلم للمجتمع كله بما أفضى إليه من حلول المصائب والنكبات ولقد قص الله علينا ما حصل لقوم لوط حيث أنزل عليهم رجزًا من السماء - أي عذابًا من فوقهم - فأمطر عليهم حجارة من سجيل، فجعل قريتهم عاليها سافلها وقال بعد أن قص علينا عقوبتهم: { - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ( - - صدق الله العظيم ( تم بحمد الله - (( ( - ( - ( ( - - - - - - (( - رضي الله عنه - - ( - (( (( } (2) .

أيها المسلمون: متى فشت هذه الفاحشة في المجتمع ولم يعاقبه الله بدمار الديار، فإنه سيحل به ما هو أعظم من ذلك سيحل به انتكاس القلوب وانطماس البصائر وانقلاب العقول حتى يسكت على الباطل أو يزين له سوء عمله فيراه حسنًا، وأما إذا يسر الله له ولاة أقوياء ذوي عدل أمناء يقولون الحق من غير مبالاة وينفذون الحق من غير محاباة فإن هذا علامة التوفيق والصلاح.

أيها المسلمون: ولما كانت هذه الجريمة من أعظم الجرائم كانت عقوبتها في الشرع من أعظم العقوبات فعقوبتها القتل والإعدام قال النبي - صلى الله عليه وسلم - { من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به} (3) ، واتفق جمهور الصحابة أو كلهم بمقتضى العمل بهذا الحديث، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لم يختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتله سواء كان فاعلًا أم مفعولًا به، ولكن اختلفوا كيف يقتل فقال بعضهم يرجم بالحجارة وقال بعضهم يلقى من أعلى مكان في البلد حتى يموت وقال بعضهم يحرق بالنار فالفاعل والمفعول به إذا كان راضيًا كلاهما عقوبته الإعدام بكل حال سواء كانا محصنين أم غير محصنين لعظم جريمتهما وضرر بقائهما في المجتمع فإن بقاءهما قتل معنوي لمجتمعهما وإعدام للخلق والفضيلة ولاشك أن إعدامهما خير من إعدام الخلق والفضيلة.

(1) البخاري الاستئذان (5889) ، مسلم القدر (2657) ، أبو داود النكاح (2152) ، أحمد (2/536) .

(2) سورة هود آية: 83.

(3) الترمذي الحدود (1456) ، أبو داود الحدود (4462) ، ابن ماجه الحدود (2561) ، أحمد (1/300) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت