فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 477

أما التحذير من منعها والبخل بها فاستمع إلى آيتين من كتاب الله: أولاهما قول الله تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران:180] آتاهم يعني: أعطاهم، لا يحسبونه هو خيرًا لهم {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران:180] انظر قال: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني أن هؤلاء الذين يبخلون لا يظنون أنهم ببخلهم بالمال سيخلدون بل سيهلكون، ويورث المال من بعدهم، فما الذي يجعل طوقًا في عنق الإنسان؟ هو المال، يجعله الله تبارك وتعالى يوم القيامة شجاعًا أقرع، الشجاع يعني الحية أو الذكر من الحيات العظيمة -نسأل الله العافية- هو الذي ليس على رأسه زغب أي شعر، أملس، قال العلماء: وهذا إنما يكون من كثرت السم في رأسه قد تساقط شعره، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (من آتاه الله مالًا فلم يؤد منه زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان) (زبيبتان) يعني: شيئين مثل الزبيبتين- أتعرفون الزبيب؟ هو اليابس من العنب، هاتان الزبيبتان قال العلماء: إنهما وعاءان من السم والعياذ بالله (فيأخذ بلهزمتيه -يأخذ هذا المال يطوق يوم القيامة هذا الشجاع الأقرع فيأخذ بلهزمتيه أي شدقيه- ويقول: أنا مالك أنا كنزك) يوبخه، يقول: انظر الآن صرت عدوًا لك، كان الإنسان في الدنيا صديقًا حميمًا لماله، ولذلك يحرص عليه، ويجعله في الصناديق الوثيقة، ويحميه من الأمطار والمياه والغبار، فهو صديق حميم، هذا المال الذي يكون الإنسان له صديقًا حميمًا في الآخرة ماذا يكون يوم القيامة؟ عدوًا له، ويوبخه ويقول: أنا مالك وأنا كنزك، فيجتمع على هذا المانع للزكاة ألمان، أحدهما ألم حسي لأنه يعض على شدقيه، والثاني: ألم قلبي لأن قول المال: أنا مالك أنا كنزك لا شك أنه يعصر القلب فيجتمع عليه ألمان.

أما الآية الثانية فهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة:34-35] فما معنى يكنزون الذهب والفضة؟ هل معناها: أنهم يحفرون لها في الأرض ويدفنونها؟ لا.

يكنزون أي: يمنعون زكاتها، ولو كانت على قمم الجبال، فمن منع زكاة ماله فقد كنزه، ولو كان على قمم الجبال، ومن أدى زكاة ماله فإنه لم يكنزه ولو كان في قعر الآبار، إذًا: معنى يكنزون الذهب والفضة: لا يؤدون الواجب فيها وأعظمه الزكاة.

(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) إذا قال قائل: كيف يبشر بالعذاب؟ قال بعض العلماء: إطلاق البشارة على العذاب من باب التهكم بهم، وقيل: إن البشارة تكون في الخير والشر لكنها في الخير أكثر، وإنها سميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، الذي يسر يؤثر على البشرة نضرة وسرورًا، والعكس انقباضًا وظلمة.

{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة:34-35] ونار جهنم فضلت على نار الدنيا كلها، أعظم ما في الدنيا من نار وأكبر ما في الدنيا من النار فضلت عليها نار جهنم بتسعة وستين جزءًا أعاذنا الله وإياكم منها، أهلها {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} [الكهف:29] إذا قرب من الوجه شواه، وإذا سقط في الأمعاء قطعها {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد:15] {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ} [الحج:19] {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج:20] يمضي من الجلود إلى ما في البطون، {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ} لم يقل يصب فوق، لأن ما يصب من فوق أبلغ مما يصب فوق، قد يصب الشيء على الشيء فوقه بهدوء ولا يؤثر، يضع هذا ويصب ما يؤثر، لكن يصب من فوق جاء مؤثرًا لأنه يأتي من بعد فيؤثر ويكاد يخرق الرأس من تأثيره، فهم يصب من فوق رءوسهم الحميم؛ {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} .

يحمى على هذا المال في نار جهنم فتكوى به جباههم وجنوبهم وظهورهم.

الجباه مقدم الجسد وخص الجبهة لأنها أعلى ما في الجسد مما يواجه الناس، جنوبهم الأيمن أو الأيسر؟ الأيمن والأيسر، وظهورهم.

قال بعض العلماء: وخص هذه الأربعة لأن المانع للزكاة قد يلاقي من سألها بوجه عابس فعذب الوجه، وقد يولي ظهره عنه ولا يهتم به فعذب الظهر، وقد يعرض عنه بجنبه فعذب الجنب.

وقال بعض العلماء: بل هذه الجهات الأربع، فيعذب من كل جانب؛ لأن الجبهة من الأمام، والظهر من الخلف، والجنوب من اليمين والشمال، فالمعنى أنه يكوى بها من كل جانب، وأيًا كان فنعوذ بالله من ذلك.

جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء مفسرًا لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها) ، وفي لفظ: (زكاتها إلا إذا كان يومُ القيامة) أو يومَ القيامة بالنصب أو بالضم؟ يومُ بالرفع لأن (كان) هذه تامة، يعني إذا وجد يوم القيامة (إلا إذا كان يومُ القيامة صفحت له صفائح من نار) الذهب والفضة يكون نار كما أن الحطب إذا أوقدت به يكون نارًا هذه تصفح صفائح من نار، ويكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره -مطابق تمامًا للآية- (كلما بردت أعيدت -نعوذ بالله- في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) .

تأمل كلما بردت أعيدت ليس في دقيقة، ولا ساعة، ولا يوم، ولا ليلة، ولا أسبوع، ولا شهر، ولا سنة؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كل إنسان يمنع زكاته هذا جزاؤه والعياذ بالله، حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.

وهذان الحديثان وهاتان الآيتان يكفي واحد منها في الفزع والتحذير من منع الزكاة.

ثم عجبًا للإنسان! كيف يبخل بالزكاة وهو إذا ترك المال كان للذي من بعده! لا يدفن معه في القبر، ولو دفن معه في القبر ما نفعه، يتركه لغيره فيكون عليه غرمه ولمن وراءه غنمه، وربما يرثه من لا يقول: يرحمه الله، قد يكون ابن عم بعيد، أو ابنًا عاقًا، أو أخًا قاطعًا أو ما أشبه ذلك.

إذًا: بحثنا في مرتبتها من الإسلام، والثاني: فضلها، والثالث: التحذير من منعها والوعيد على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت